ظلّ الحديث عن تعاطي الجماعات المسلحة في سوريا، مع العدو الإسرائيلي محطّ تندّر بعض رجالات المعارضة! لم يغيّر آراءهم رغم الظهور المتكرر لشخصيات تسلّمت مناصب قيادية في المجالس المعارضة مثل بسمة قضماني وكمال اللبواني على الشاشات الإسرائيلية، ولا حتى التعاون الصريح الذي أعلنه ذات مرّة رجل الأعمال السوري وصاحب قناة «أورينت» غسان عبود مع سلطات الاحتلال! لكن في ليلة الثالث عشر من آذار (مارس) سنة 2012، أطلّ الصحافي الصهيوني إيتاي أنغل على القناة العاشرة في تقرير صوّره على الحدود الأردنية السورية، والتقى فيه سوريين فارين، وترك الفرصة أمام كاميرته لتصوّر درعا عن قرب... أراد أن يقول بأن قلوبهم في تل أبيب تنفطر على معاناة اللاجئ السوري! لكن كان بديهياً أن يظهر هزيلاً بدون منطق، ولا يمكن لعاقل أن يفكر بتصديقه. بعدها بحوالي سنة وشهرين، قُطع الشكّ باليقين عندما تسلل أنغل مع زميله أمير تيبون إلى سوريا عن طريق التهريب من الحدود التركية، ثم وصلا إدلب وجالا فيها بدعم «الجيش الحرّ» وحمايته، وأنجزا فيلماً وثائقياً عرض على القناة العاشرة ضمن برنامج اسمه «عوفدا»!

لم يعط الإعلام الموالي هذه الجزئية الخطيرة حقّها! فعلياً يبدو كلّ ما حدث في سوريا من قتل وتنكيل ودمار وإرهاب، في كفة، وأن تضع الفصائل المسلحة يدها بيد الكيان الصهيوني في كفّة ثانية!
الفرضية تجلّت بحيثياتها أمام فريق قناة «الميادين» في مكتب دمشق، فأنتج وثائقياً من إعداد وتحقيق الصحافي السوري محمد الخضر بعنوان «الجوار المرّ» (عرض أول من أمس في تمام الساعة 7 مساء). الوثائقي أجرى خلال 52 دقيقة مكاشفة حرّة، وشرحاً مفصّلاً لكواليس اللعبة الوضيعة التي سعى إليها الإسرائيلي في الجنوب السوري، بعد انفلات المنطقة الحدودية، وافتتاح معابر يسيطر عليها قادة الفصائل المسلحة. كلّ ذلك من خلال شهادات حيّة لشخصيات بارزة في القنيطرة، والأهم لمسلحين قاموا بتسوية وضعهم والعودة إلى كنف الدولة، بعدما عاصروا بأمّ العين، خيانات عظمى لقادة فصائلهم، وتنسيقهم الميداني مع الصهاينة الذين فرشوا الأرض ورداً أمام المسلحين، بنية تنفيذ خطة تهدف إلى خرق البيئة الاجتماعية السورية، والتطبيع معها، ومحاولة تبديد فكرة العداء، وكسر الحالة النفسية في التعاطي مع الكيان العبري. وفي سياق هذه المصارحة التي يرتكز إليها الفيلم، سيفضح للمرّة الأولى بالوثائق حجم الدعم الذي تلقّاه المسلحون من إسرائيل، وقد بدأ بإسعاف الجرحى إلى المشافي الاسرائيلية، وزيارتهم من قبل بنيامين نتنياهو شخصياً، ومن ثم تخطي ذلك نحو الدعم بالسلاح والمال لفصائل قاتلت تحت مسميّات إسلامية وكانت تحتضنها القيادات العبرية، عدا عن صفقات إدخال كميات كبيرة من الأدوية والأغذية تحت عناوين خدّاعة أبرزها «حسن الجوار».
رغم اعتماده على الشهادات الحيّة لضيوفه، أكثر من عنايته بالجانب الدرامي للمادة، والبناء التشويقي، إلا أن العمل يعتبر وثيقة علّها تؤرشف أكثر مرحلة سوداء في تاريخ سوريا المعاصر، وتزيح الستار عن آمال بناها الإسرائيلي لوصول الجماعات التكفيرية الصديقة له، إلى السلطة في دمشق.
ولأن للصدف محاسنها، سيعرض الفيلم في نفس الليلة التي صوّر فيها أبناء قرية مجدل شمس المحتلة في الجولان السوري، فيديوهات اكتسحت شبكات التواصل الاجتماعي، وهم ينشدون على ضوء الشموع مع صوت جوليا بطرس وهو يصدح من شرفات حجرهم المنزلي، أغاني وطنية تتهجى صدق تمسّكهم الحقيقي بهويتهم السورية، وانتماءهم لبلادهم كأنهم يقولون بمنتهى الاختصار: سنبقى مخرزاً في عين الاحتلال!