خلال سنوات الحرب، عملت شركات الإنتاج السورية بطريقة مرّدها السياسة في الدرجة الأولى. إذ اعتبرت نفسها جزءاً من ماكينة إعلام الدولة، التي كانت تريد القول في أحلك الأوقات بأنّ دمشق قادرة على صياغة لقطة فنية جذّابة، حتى تحت وابل القذائف وأزيز الرصاص. وبالفعل، تمكّنت تلك الشركات من إيصال رسائل مهمة كانت تفضي بوضوح بأن الحياة لن تتوقف في الشام. لكنّ الأمر في زمن كورونا سيصبح مختلفاً بشكل قطعي، أو هكذا، يعتقد المهتمون اليوم في «بلاد الياسمين» من حلفاء، وخصوم بمن فيهم أطراف معارضة باتت تتمنى أن تحل الكارثة بسوريا، لأنه من وجهة نظرها المتطرفة بات كلّ من بقي في بلاده مجرّد «مجرم» يساند السلطة في حربها على الفصائل المسلحة. وفقاً لذلك، وجدت محطّات تعادي النظام في سوريا مثل «العربية» الفرصة سانحة لتقول بأن الشام تعيش تحت سطوة الفيروس، وأن مستشفياتها محاصرة، ويتم التكتّم على الإصابات!

لكن على الأرض، فتحت المستشفيات أبوابها أمام الإعلام، وراحت تضعه في صورة التحضيرات والإجراءات المتبعة تحسباً لأي إصابة. حتى أول من أمس، كانت تقارير منظمة الصحة العالمية تجزم بخلو سوريا من الوباء، فيما صرّح مدراء المستشفيات عن كل حالة اشتُبه بها بشكل مفصّل، والنتائج السلبية للتحاليل. وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة، تبدي الحكومة السورية مسؤولية واضحة في مواجهة الجائحة، من خلال سلسلة إجراءت تصاعدية للحماية من أي طارئ وصلت إلى حد قرار إغلاق المطاعم، والنوادي الرياضية، والملاهي الليلية، وإلغاء حفلات الأعراس ومنع التجمعات الدينية، بما فيها صلاة الجماعة. سبقها تقليص عدد ساعات الدوام في الدوائر الرسمية، وخفض عدد الموظفين إلى النصف، يداومون بشكل متناوب، وإيقاف كل الفعاليات الرياضية ودوري كرة القدم، إلى جانب إطلاق حملة تعقيم للمرافئ العامة ووسائل النقل. ويتم الحديث حالياً عن إمكانية صدور قرار يفضي إلى الإقفال العام لمدة 10 أيام كحد أدنى لمواجهة خطر الفيروس. السوشال ميديا ضجّت بحملات التوعية، وتحمّل مسؤولية الوقاية، والبقاء في المنزل. مع ذلك، ظلّت الحركة في الأسواق والشوارع شبه طبيعية خلال ساعات النهار. لكن ماذا عن المسلسلات الرمضانية؟ وما حال السوريين العاملين في قطاع الدراما داخل البلاد وخارجها في هذه الظروف، بخاصة أنه ارتفع صوت بعض الممثلين يطالبون شركات الإنتاج بإيقاف التصوير هذه الفترة، حرصاً على سلامة الفننين والممثلين، من دون أن يحدث شيء في بلاتوهات الأعمال السورية على قلّتها هذا الموسم! «الأخبار» جالت على بعض نجوم الدراما السورية، وسألتهم عن أجواء التصوير وكيفية التعاطي مع قضية الفيروس المنتشر في العالم، والطرق التي يتبعونها للوقاية!
البداية كانت مع النجم أيمن رضا الذي لم يوقّع حتى اليوم أي عمل بعدما اعتذر عن عدم المشاركة في مسلسل «بروكار» (كتابة سمير هزيم، وإخراج محمد زهير رجب وإنتاج شركة «قبنض») والسبب هو عدم مهنية الشركة وشغلها بمنطق تجاري وفق ما يقول لـ «الأخبار». ويضيف: «لا أصافح أحداً هذه الأيام، خوفاً على الآخرين! فقد كنت في زيارة إلى لبنان أخيراً وسجلت حلقة لصالح تلفزيون «لنا» مع الإعلامي هشام حداد. لا أختلط أبداً خشية على الآخرين وليس على نفسي». لكن كيف تحتاط من هذا الوباء على مستوى شخصي؟ يجيب بسخريته المعتادة: «لا أفعل شيئاً سوى أنني ألتحق بكل إزدحام يمكن أن أعثر عليه أو يخطر في بالكم» كأنه يقول بأن السخرية هي السلاح الفعّال للتخفيف من القلق والحفاظ على المناعة كونها المنجى الوحيد لمقاومة الفيروس. رضا سبق أن نشر مقطعاً ساخراً على صفحته يتناول فيه الإجرءات الاحترازية التي تتخذها وزارة الصحة السورية على المنافذ الحدودية، وسجل أغنية بصوته يرافقها عزفه على العود ليتهكّم على هذا المرض. وأعاد على مسامعنا مقطعاً غنائياً ثانياً من وحي زيارته للبنان وخلو الشوارع والأماكن من مرتاديها!
من جانبه، يقول النجم سلّوم حداد الذي يعكف على تصوير مسلسل «سوق الحرير» (يعرض في رمضان على mbc ــ كتابة حنان المهرجي وإخراج مؤمن وبسام الملّا): «لم تتوقف حياتنا. كلّ ما نفعله هو التقيّد بتعليمات السلامة التي صار الجميع يعرفها. نواظب على التغسيل بالماء والصابون، وكلّما سنحت لنا فرصة، نستغلها للتعقيم، ونكمل عملنا بشكل طبيعي، لكنّ يومياتنا باتت مسيّجة بالحيطة والحذر». أما النجم عبّاس النوري، فيجب على اتصالنا بالقول: «أنا في شيكاغو حالياً». ويقصد بأنه يتفرّغ لتصوير مشاهده من مسلسل «شارع شيكاغو» (إخراج محمد عبد العزيز وتأليف ورشة كتاب بإشرافه ــ إنتاج شركة «قبنض»). لكن كيف يجري التصوير في ظل هذه الظروف المقلقة؟ يرد: «من وجهة نظر شخصية، يتم التهويل في الإعلام، ونحن نصوّر بطريقة شبه اعتيادية. يعني لا نضع كمامات أثناء التصوير. غالباً ستتجه مؤسسات الدولة لحملة تعقيم وتطهير عامة، ولا أظن أنه سيفرض حظر تجول كما يقال. بكل تأكيد المحاذير موجودة وترافقنا في عملنا، لكننا نجرّب عزل أنفسنا عن القلق حتى نستطيع إنجاز شغلنا الذي يستدعي مزاجاً عالياً أصلاً». ويبدي تفاؤله بأن تزول المحنة مع ارتفاع درجات الحرارة، لكنّ يبقى «القادم من الظروف يوحي بأنه قاتم بسبب الأحوال الراهنة في البلاد». من ناحيته، يقول المخرج السوري المثنّى صبح بأن الحالة الطارئة لا تسمح بأن تبقى كاميرا مسلسله «دانتيل» (عن مسلسل أجنبي ــ إنتاج «إيغل فيلمز») تسير بشكلها الطبيعي. ويضيف: «ربما نصوّر في الوقت الذي يتاح لنا فيه. حالياً نلتزم غرفنا في الفندق، ونترّقب هذه المرحلة بأمنيات عميقة كي تزول السحابة السوداء عن العالم كلّه».
هذا عن السوريين في لبنان، لكن ماذا عن مسلسل «حرملك» (كتابة سليمان عبد العزيز وإخراج تامر اسحق ـ إنتاج «كلاكيت ميديا») الذي يتم تصويره في الإمارات العربية، حيث سجلّت حالات إصابة بفيروس كورونا؟ بعدما انتهى تصوير الجزء الثاني من هذا العمل، استراح الفريق لبضعة أيام، وعاود الشغل لإنجاز جزء ثالث منه. يشرح الممثل السوري بلال مارتيني وهو أحد ممثلي المسلسل خلال اتصالنا به: «لم نتوقف عن التصوير، لكننا نصوّر داخل استديوهات تجري فيها عمليات تعقيم على مدار الساعة، في حين يتم التدقيق بشكل بالغ فيه في الفنادق وسط إجراءات مشددة في كل مكان داخل دولة الإمارات، عدا أنّ كاست المسلسل كلّه يتبع إجراءات الوقاية بحرص فائق. القلق يتسيّد المشهد بداعي الحفاظ على السلامة.