دمشق | في أولى دقائق «العميد»، يعتقد المشاهد أنه أمام مسلسل بوليسي، يحكي قصة بروفسور في القانون الجنائي، يدفعه شغفه وهوسه بمهنته إلى الدخول في مغامرة؛ لكشف قاتل زوج روائية معروفة. لكن المتابع يدرك مع الوقت أنه أمام حكاية الأدب والقانون والعلم المغيّبة تماماً عن بؤس الواقع في مجتمعاتنا، والمختبئة بين كتب وأوراق تنام بسلام على رفوف أنيقة ملساء، لا يعكر غفوتها أي شيء، وإن كانت حرباً طاحنة.

«العميد» (تنتجه شركات عدّة على رأسها DKL) مسلسل من 12 حلقة، وهو من الأعمال الأصلية لمنصة البث الرقمي «شاهد»، من تأليف وإخراج باسم السلكا، فيما يتشارك بطولته السوريان تيم حسن وكاريس بشار. وتشمل قائمة الممثلين أسماء سورية ولبنانية، منهم: فادي صبيح، رنا شميس، بديع أبو شقرا، قاسم ملحو، كميل سلامة، أمانة والي ورودني حداد...

يلعب تيم حسن دور بروفسور في القانون الجنائي والجزائي يُدعى «مراد الجوخدار»

يحكي العمل قصة اختفاء تاجر لوحات لبناني (رودني حداد) هو زوج روائية سورية (كاريس بشار). تطلب الأخيرة من «مراد الجوخدار» وهو عميد كلية الحقوق في جامعة فرنسية في لبنان وبروفسور في القانون الجنائي والجزائي (تيم حسن) مساعدة المحقق (بديع أبو شقرا) في كشف لغز اختفاء زوجها. تتصاعد الأحداث بين مسار بوليسي يتعدد فيه المجرمون والضحايا، بل يختلطون أحياناً، وقصص إنسانية للاجئين سوريين في مخيمات لبنان، حيث يكشف سير الأحداث أن الزوج المفقود يتاجر بأطفال المخيمات، لا التحف الفنية كما تعتقد زوجته، وبالشراكة مع أشخاص من داخل هذه المخيمات وخارجها. من البيوت الفخمة وأروقة الجامعة والشوارع الواسعة، إلى مخيمات اللاجئين أشد نتائج الحرب السورية ألماً، ينزل «العميد» بالمشاهد مخاطباً عقله بحبكة مدروسة، ومشاعره بحوارات ولقطات أبطالها نجوا من الحرب لكنهم لم ينجوا من تجّارها.
يجمع العمل بعض خيوط الحرب على سوريا وتشعباتها، من دون الخوض في الأسباب وتقاذف الاتهامات، ويختصرها بثلاث رسومات للطفلة الشاهدة الرئيسة على الجريمة محور المسلسل (نغم السنجاوي). تصوّر الأولى أسرة بأبٍ من دون ملامح للدلالة على غيابه بعد موته بقذيفة أثناء ولادتها، والثانية أرض معركة، والثالثة مخيم لاجئين بألوان جميلة وأشكال مرتبة، فهو بيتها الوحيد الذي عرفته.
بين عالمين منفصلين، يضع «العميد» المشاهد أمام صدمة لقائهما، بنزول «مراد الجوخدار» والروائية السورية إلى المخيم، بملابسهما الأنيقة، وتفاصيل بيئتهما الغنية التي لم يتخليا عنها، للدلالة ربما على استحالة اندماج هذين العالمين رغم قربهما جغرافياً. في ذروة هذا اللقاء، يقف «العميد» بين أسرة أطفال رُضّع مُعدين للبيع، تسحقه أصوات بكائهم، وتسحبه بعنف من حياته المخملية، لتريه بشاعة الواقع من دون تجميل أو نظريات أو قوانين أو منطق.
وفيما لا يسجل العمل سابقة بدخوله إلى مخيمات اللاجئين، إذ سبقته إلى هذه الخطوة أعمال كثيرة، لعل أكثرها التصاقاً بذاكرة المشاهد السوري والعربي مسلسل «التغريبة الفلسطينية» (إخراج حاتم علي ــ 2004)، لكنه شاهد جديد على قدرة الدراما السورية على أنسنة القضايا الكبرى بشخصيات بسيطة متعبة تحاول التجذيف نحو شاطئ الأمان فتخطئه في كثير من الأحيان.
العمل الذي يستحضر الحرب السورية، مؤلف من 12 حلقة كتبها وأخرجها باسم السلكا


كما رسّخ المسلسل أيضاً الدراما السورية كفنّ يخاطب ذكاء المشاهد وعقله، يلتصق بالواقع من دون الغرق في جرعة عالية من التراجيديا. فالواقع كفيل بذلك أساساً بعد سنوات الحرب التسع، حيث اختصر الوقائع وكثّفها بمشاهد سريعة، وإشارات وإيحاءات خاطفة، تختزل تبعات الحرب كالمتاجرة بالأطفال والنساء والمساعدات وغيرها، مسجلاً أيضاً نقطة قوة جديدة للممثل السوري، خاصة رنا شميس وفادي صبيح وقاسم ملحو، الذين أظهروا أداء احترافياً وحملوا وجع سكان المخيم بإنسانية عالية وبساطة عميقة.
ولم يقترب العمل من مشاكل المخيمات فقط، بل لامس قضايا كثيرة بروح الدراما السورية التي تعرف كيف تطرح أكثر المواضيع حساسية بهدوء وذكاء، فلمح إلى نظرة بعض اللبنانيين إلى السوريين بشخصية أستاذة جامعة استهجنت أن يكون رئيس المكان الذي تعمل فيه سورياً، رغم أن الكاتب استخدم مفردة «أجنبياً».
بمعزل عن رمزيته المكثفة، اختار المؤلف أن يطرح رسالة العمل بشكل مباشر أيضاً، على لسان «مراد الجوخدار» في لقائه مع المحقق الآخر غير الراضي عن دخول البروفسور إلى القضية. فعلى مفرق طرق يؤدي إلى المخيم، وعند اقتراب الأحداث من نهايتها، يعلن اكتشاف مفاده أن القانون الذي درسه لسنوات كثيرة قانون يعاقب ولا يحمي، كلام على ورق عاجز أمام الواقع، ويدعو منافسه للنزول إلى الأرض ويقول بلهجة سورية: «انزل على الأرض شوف البهدلة على أصولها، الضحايا معبيين الدنيا، ناطرين الموت، ونحن متلنا متلن، ناطرين الفاعل
يتعاقب».