قبل سنوات قليلة، دخل قطاع التلفزيون في تركيا مرحلة جديدة مع ولادة نوع جديد من الدراما المحلية «العصرية» المنتجة خصيصاً لمنصّات البث عبر تقنية التدفّق الإلكتروني، سواءً المحلية مثل BluTV، أو العالمية الوافدة إلى الشرق الأوسط وعلى رأسها «نتفيلكس». مسلسلات ابتعدت قليلاً عن الجو العام للدراما التركية الناجحة والتي عادة ما تتصف بعدد الحلقات الكبير.

بعد فترة وجيزة من إطلاق مسلسل Masum (البريء ــ ثماني حلقات)، كشفت «نتفليكس» عن أوّل إنتاجاتها الأصلية الناطقة بالتركية: Hakan: Muhafiz، المعروف دولياً باسم The Protector. على الرغم من اختلاف الآراء حول هذا العمل، غير أنّه لا يمكن نكران نجاحه بعد عرضه في 190 بلداً وبلغات مختلفة. عشر حلقات تتتبع شاباً يعمل في «البازار الكبير» في إسطنبول، يذهب في مهمّة لإنقاذ المدينة من عدوّ خالد.
ولعلّ شعبية هذا النوع من المسلسلات تتعلّق بابتعادها عن الشكل التقليدي السائد في الشرق، وطريقة المعالجة المتشابهة عادةً. والأهم أنّ هذا النوع من المنصات، وخلافاً للقنوات وشركات الإنتاج المحلية، لا يمانع تخطّي الأطر المحدّدة حكومياً في ما يخصّ معالجة القضايا الاجتماعية!
وفي 27 كانون الأوّل (ديسمبر) 2019، كان الموعد مع مسلسل تركي معاصر بعنوان «عطيّة» (The Gift) يحمل بصمات صنّاع The Protector، قبل أن يحين في 20 كانون الثاني (يناير) الحالي موعد «صعود الإمبراطورية العثمانية» (Rise of Empires: Ottoman ــ انظر المقال أعلاه).
«عطيّة» مسلسل تركي فانتازي مليء بالإثارة والغموض، من بطولة النجمة بيرين سات (1984)، تولّى كتابته جايسون جورج ونوران أفرن شيث وفاتح أونال، استناداً إلى رواية «صحوة العالم» (Dünyanın Uyanışı) للتركية شَنْ ــ غُل بويباش الصادرة عام 2018، فيما ألقيت مهمّة الإخراج على عاتق أوزان آجكتان.
على مدى ثماني حلقات، نرافق الرسّامة الشابة والجميلة «عطية» (بيرين سات) في مغامرة لاستكشاف أسرار عالمية كامنة في موقع أثري متّصل بماضيها، يُطلق عليه اليوم اسم «غوبكلي تبه»، ويقع جنوب مدينة «أورفة» القديمة، المعروفة بالعربية بـ «الرها». الموقع الذي يحوي أقدم المنشآت المعمارية للبشرية، يعدّ لغزاً حيّر العلماء، وهو معروف منذ ستينات القرن الماضي على أنّه موقع أثري من العصر الحجري، غير أنّ أهميته الحقيقية بدأت تتكشّف مع انطلاق أعمال التنقيب فيه في 1994. منذ صغرها، ترسم الصبية رمزاً وحيداً، يُكتشف في هذا الموقع الأثري!
البداية شبيهة بأي عمل درامي خارق للطبيعة. فتاة ذات قوّة غامضة أو ذكريات لا تعرف شيئاً عنها، يلاحقها أشخاص يختفون كلّما دلّت عليهم شخصاً آخر. نتيجة أفعالها الغربية وكلامها الأغرب، تجد «عطية» نفسها أمام تشخيص طبّي بإصابتها بالفصام الارتيابي، إلى أن يظهر عالم الآثار «أورهان» (محمد جونسور) الذي يصدّق كلّ ما تقوله تماماً. ثم هناك بعض الروابط الغريبة بين الشخصيتَيْن الرئيسيتَيْن، ناهيك عن الكيمياء الجنسية التي لا يمكن إنكارها. صحيح أنّ الكليشيهات قد تبدو واضحة في «عطية» في كثير من الأحيان بالإضافة إلى أوجه شبه مع أكثرية المسلسلات التلفزيونية، إلّا أنّ هناك جزءاً آخر يتمتّع بقدرة هائلة على الجذب!
بيرين سات، الممثلة الثلاثينية المتمكنة التي أثبتت نفسها في أدوار بارزة («سمر» في «العشق الممنوع»، «فاطمة غول» في «ما ذنب فاطمة جول؟»، «إيلا» الكفيفة في فيلم يحمل الاسم نفسه بالعربية...)، تعتبر أبرز نقاط قوّة المسلسل. جاذبية طافحة وحيوية بالغة، تظهرها «عطيّة» المندفعة، فيما تحافظ على ثقة كبيرة بالنفس تمكّنها من المغامرة. كل ما يحيط بهذه الشخصية كافٍ ليجعلك تريد متابعة كيف تؤثّر اكتشافات «عطية» على حياتها الشخصية والمحيطين بها (عائلتها وعائلة خطبيها «أوزان»). وتجدر الإشارة إلى أنّ اختيار قائمة الممثلين موفّق، وهي تضم: متين أكدولر، ميليسا شينولسون، باشاك كوكلوكايا، مرال جتينقايا، سيزمي باسكين، تيم سيفي وغيرهم.

تعدّ النهاية أبرز مكامن القوّة في المسلسل التركي


بطريقة لافتة، يستثمر العمل الحكايات والأساطير غير المستكشفة في تركيا، وثقافة شعوب الشرق الأوسط. كما أنّه يتميّز بطريقة استغلال الطبيعة الباطنية لهذه الثقافة، ومزجها بحرفية في عمل درامي قصير. المناظر البانورامية للأراضي التركية متعة للمشاهد، تزيدها اللقطات من المواقع الأثرية التي تحيلنا أحياناً إلى سلسلة أفلام «إنديانا جونز» أو نسخ قديمة من شرائط «المومياء».
قد تنتاب المرء رغبة في أن تكون الشخصيات أكثر تطوّراً أو أن تظهر الألغاز بطريقة محبوكة ومشوّقة أكثر، لكن «عطيّة» يعرف كيف يختصر هذه المشاعر. فكان من الممكن أن يكون الأمر أكثر سوءاً في حال كان عدد الحلقات أكبر!
بعيداً عن معايير الإنتاج العالية، تعدّ النهاية أقوى نقاط «عطيّة». فهي قادرة على محو كل سيئات وإيجابيات العمل بلحظة. سيجد المشاهد نفسه يعود في ثوانٍ قليلة إلى التفاصيل التي تسلّلت بمهارة إلى ما بين السطور على امتداد المسلسل. وسيحاول العثور على تفسير ما لكيف أحدث العمل هذه الانعطافة المميّزة.
باختصار، «عطية» مسلسل يجمع بين البساطة والمتعة والجاذبية، يولّد أسئلة ما ورائية وروحانية حول الحياة والموت والرابط بينهما، كما يعدّ خياراً ملائماً لأولئك الباحثين عن قضاء نهاية أسبوع مريحة أمام الشاشة الصغيرة أو أي من الأجهزة الإلكترونية الذكية. ولعلّ هذا ما دفع شركة OG Medya باتجاه إنجاز جزء ثانٍ، انطلق تصويره في اسطنبول بإشراف المنتج البريطاني ألكس شاذرلاند (فيلم «أرغو»).