منذ أكثر من تسعين يوماً، تاريخ بدء التظاهرات الشعبية في لبنان، وبعض وسائل الإعلام تعيش حالة تخبط في التعاطي مع الأحداث المتلاحقة. لن نتحدث عن «إعلام السلطة» ـ إن وصف كذلك ــ المعروفة أجنداته واصطفافاته السياسية، لكن الأنظار تركزت طيلة هذه الإنتفاضة على ثلاث محطات تلفزيونية رئيسية: mtv، lbci، و«الجديد»، كقنوات تصدّرت المشهد وواكبت الحراك الميداني، لا بل إن بعضها نفض عنه سريعاً عنه التخندق والتبعية السياسية، وارتدى ثوب «الثورة» الى أن أتت المحطات المفصلية. يمكن الحديث هنا، عن ثلاث منها: اشتباكات «شارع الحمرا» و«ثكنة الحلو» الى جانب ما حصل أمس في «وسط بيروت». ثلاث محطات أساسية فرزت هذه القنوات التلفزيونية، وأعادت جزءاً منها الى مكانه الطبيعي أي في أحضان السلطة السياسية بل تحولت الى مجرد أبواق لها. لعلّ النقطة الأبرز في هذه المحطات، ما حصل في «الحمرا» يوم الثلاثاء الماضي، من اشتباكات بين قوى مكافحة الشغب، والمحتجين، وجرى خلالها تحطيم واجهات المصارف والصرافات الآلية. مشهد حصل للمرة الأولى إبان هذه التظاهرات، واستطاع فرز قوى سياسية وإعلامية وأخرى مشاركة في التظاهرات. إذ سرعان ما تبدّت المواقف، وتخندقت القنوات عندما تعلق الأمر بالمصارف وبحاكمية «مصرف لبنان». هنا حاولت mtv أخذ الحدث الى مكان آخر، ملؤه التسييس واثارة الفرقة الأهلية، فيما ظهرت lbci كطرف مساند ومنحاز للقوى الأمنية. وهذا ما فعلته أمس، مع زيادة اصطفاف جديد، تجلى في وصفها المحتجين في «وسط بيروت» بـ «الزعران». ففي مقدمة نشرتها المسائية، أعطتنا «المؤسسة اللبنانية للإرسال» تصنيف أن يكون المحتج ثائراً وكيف تنزع عنه هذه الصفة. إذ اعتبرت المقدمة أن هؤلاء من «شوّه صورة الثورة وصوتها»، مقابل من وصفتهم بـ «من نزلوا الى الشارع» وكانوا «أبناء الدولة والقانون ومكافحة الفساد».



اتهمت القناة المحتجين بـ «تدمير المدن» من الحمرا الى وسط العاصمة، في سياق انقلابي على كل تغطياتها السابقة، وسط أسئلة عدة تطرح حول التحول الحاصل في أدبيات القناة، التي اختبرت الحدث عينه (مع فارق هويات المحتجين) في أحداث «كورنيش المزرعة» عندما نزل مناصرو «المستقبل» الى الشارع للمطالبة بعودة سعد الحريري. وقتها أحرقوا الإطارات وعمموا فوضى عارمة في الشارع، لكن بقي مثلاً مراسل المحطة ادمون ساسين، يصف الى وقت طويل هؤلاء بـ«المتظاهرين» رغم افتعالهم أعمال الشغب وهوياتهم الواضحة، مقابل تغطية أمس، التي تمركزت فيها كاميرا lbci خلف قوى الأمن، وأصرّ ساسين على وصف المحتجين بـ «المجموعات المشاغبة». إذاً، هي أزمة مصطلحات معطوفة على تخبط داخل كل وسيلة إعلامية تتغير أجندتها تبعاً لمسار الأحداث، فهل اعتقدت lbci مثلاً أن «الثورة» تقتصر على أعمال الرقص واليوغا وتوزيع الزهور أم هي ترجمة فعلية لقهر متراكم تجلى أمس، بصورة فاقعة في «وسط بيروت»؟ تحول انسحب أيضاً على mtv، التي استحالت مراسلتها جويس عقيقي، أمس، «مخبرة» وناطقة اعلامية باسم قوى مكافحة الشغب، مع فارق أن أحداث «ثكنة الحلو» قامت قناة «المرّ» بتغييبها تماماً عن شاشتها. بقيت «الجديد» تسير في الإتجاه عينه دعماً «للثوار» لكن مع «دوز» أعلى، طغى على تغطياتها المنحازة الى جانب المحتجين وغضها الطرف عن كثير مما رصدته كاميرتها من أعمال تحطيم وتعاطت مع الأمر كأن شيئاً لم يكن!