بعد تأجيل متكرر بفعل الأحداث الإقليمية التي شهدناها أخيراً، تطل سلسلة حلقات «حروب الجيل الخامس» (تقديم: رانا أبي جمعة ــــ منتج ومعدّ: زاهر العريضي ــــ بحث: سعاد حمود ـــــ إخراج: بولا حملايا) الليلة (21:00) على «الميادين»، لتطرح مفهوم هذه الحروب كإحدى القضايا التي تتظهّر حديثاً في الإعلام، وتشكّل محلّ بحث عند المنظّرين والعلماء المختصين في هذا المجال. في الألفية الثالثة، تبدّلت الأدوات وطرق المواجهة في صراعات الدول والجماعات بغض النظر عن تفاوت مستوياتها المعرفية وقدراتها المالية والاقتصادية والتكنولوجية: من حرب تقليدية في استخدام الجيوش الكلاسيكية النظامية (الجيل الأول)، إلى مفهوم حرب «العصابات» كما حصل في «فييتنام» وأميركا اللاتينية (الجيل الثاني)، مروراً بحروب الجيل الثالث التي مثلتها الحروب الاستباقية أو الوقائية، كما حصل في غزو الولايات المتحدة للعراق (2003)، وليس انتهاء بحروب الجيل الرابع، التي ما زالت محطّ جدل بين الباحثين وتضم أدوات مختلفة في سبيل إخضاع الدول العدوة وإضعافها بغية السيطرة عليها. وتتشعب لتشمل حروب «الجيل الخامس» التي تندرج ضمن مشهدية تغيّرت فيها الأدوات السابقة وتطوّرت تكنولوجياً، وحتى في ما يخصّ طبيعة المجتمعات. وهنا، حديث عن كيفية المواجهة التي تقودها حتى مجموعات صغيرة يمكن أن تتحدى دولاً عظمى، بأكلاف زهيدة وفاعلية عالية.

تركز السلسلة المذكورة، على الجانب المعرفي والتوثيقي لحروب الجيل الخامس وما سبقها، من خلال إفراد مساحات لمتخصصين، ومواد بصرية تتقاطع ما بين الأرشيف والإنفوغراف، بغية ضخّ المزيد من الأمثلة حول دول استُضعفت وخضعت للضغوط الاقتصادية واللعب في ساحاتها المجتمعية والسياسية بهدف السيطرة عليها وعلى مقدّراتها. السلسلة لم تحص عدد حلقات معين، بل تركت هذا الأمر مفتوحاً، بسبب احتمال تشعب محاور المناقشة، ما يحتاج إفراد مساحات إضافية لها. ستقدم الحلقات رانا أبي جمعة التي خاضت سابقاً تجارب نقاشية في برامج حوارية كـ «آخر طبعة»، و«حوار الساعة» إلى جانب تغطيات خاصة. وها هي تدخل اليوم في معترك متخصص أكثر، إذ تقول لـ«الأخبار»، إن ما يميّز سلسلة «حروب الجيل الخامس»، خروجها عن الآنية والحدثية، وإحاطتها بـ«عناوين محددة» مشغولة بعمق أكثر، برفقة «ضيوف تكنوسياسيين». أمّا منتج ومعدّ البرنامج زاهر العريضي، فيخبرنا عن مضامين الحلقات واختيار عناوينها، التي تندرج ضمن حقول متشعبة يصعب تحديدها في إطار واحد، كالإعلام التقليدي والحديث واستخدام أدوات كل منهما في هذه الحروب، إلى جانب مفهوم «الإرهاب» والمجتمع المدني واستهدافه للمجتمعات لتفكيكها، ولا تستثنى الحروب السيبرانية (الإنترنت)، والضغوط الاقتصادية، والحروب البيولوجية (نشر الفيروسات مثلاً)، والغاز، والمخدرات، وحرب الاغتيالات، والفضاء، والتجارة، وحرب العقول.. ستتناول كل حلقة (تمتد كل واحدة منها على مدى خمسين دقيقة)، محوراً من هذه المحاور، تتم مناقشته مع ضيوف مختصين، أجانب وعرب، تبعاً للمحور المناقش. اتكأت الحلقة تبعاً للعريضي، إلى مواد معرفية، من كتب ودراسات حول حروب الجيل الخامس، التي يختلف حولها الخبراء كتصنيف زمني، لكن تبقى الفكرة في هذا الموضوع متركزة بشكل أساسي حول آليات هذه الحروب.

تفكيك المجتمعات من الداخل وممارسة الضغوط الاقتصادية

على أن تدّشن الحلقة الأولى، بتمهيد معرفي وأرشيفي لحروب الأجيال السابقة، وطرح أمثلة في هذا الخصوص، لتكون المادة المقدمة أقرب إلى الجمهور، كالإطلالة على مفاصل تاريخية في صراعات الدول والجماعات. يمكن هنا تناول أحداث 11 أيلول مثلاً، أو فضيحة «بلاك ووتر»، أو حرب «فييتنام»... أو ما عانت منه إيران أو فنزويلا بخصوص الضغوط الاقتصادية، أو كيف استخدم اليمنيون التكنولوجيا في مواجهة العدوان السعودي على أراضيهم. وربما الأهم من كل ذلك، حيازة جماعات صغيرة أدوات متطورة لمواجهة العدو، كاستخدام الطائرات المسيّرة (درونز) في الصراعات والاغتيالات بأكلاف بسيطة والعمل على تطويرها في هذه الصراعات. يسقط هنا، فعلياً، مفهوم الدول المهيمنة، وقدرتها على السيطرة واحتلال الأرض والعقل معاً، لنكون أمام أدوات وآليات باتت متاحة لدول «عالم الجنوب» بهدف مواجهة أعدائها. هكذا، يضاء على جوانب هامة، تتعلق بقدرة الشعوب ـــ إن أرادت طبعاً ـــ على مواجهة أجندات وضغوط عادة ما تأتي من دول مهيمنة وغربية.

* «حروب الجيل الخامس» الليلة 21:00 على «الميادين»