لندن | لن ينخدع كثيرون حول العالم بالمحتوى الدعائي الساذج للموسم الجديد من مسلسل «جاك رايان» (Jack Ryan) على منصّة «أمازون برايم». لكن إذا كان مستوى تفكير القيادة الأميركيّة وأذرعها الاستخباراتيّة والعسكريّة وحدود خيالها في فهم العالم وفق ما قدّمته لنا في هذا المسلسل، فللعالم أن يقلق بالفعل من قدرة الدولة الأعظم على خداع الذات، وامتهان الكذب، وتسطيح المواقف، وتبنّي رؤية ثنائيّة ذات استقطاب حاد بين فسطاطي الأخيار والأشرار، لا سيّما أن روايات توم كلانسي التي استُلّت منها شخصيّة بطل المسلسل، تعدّ من الأعمال الأكثر مبيعاً في تاريخ الولايات المتحدة المعاصر ضمن فئة روايات الجاسوسيّة والتشويق السياسي. أضف إلى ذلك أنّه رغم التقريع اللّاذع له من قبل النقاد، إلا أنّ المسلسل يحظى بقبول استثنائي بين المشاهدين الأميركيين كما كشف تصويتهم على مواقع الإنترنت المتخصّصة. من الواضح أن تلك القيادة ما زالت محكومة ببارانويا الحرب الباردة، تريد لجمهورها أن يثبت وطنيته من خلال تقبّل كذب بواح عن واقع ما يجرى من أحداث في العالم، وتجاهل الدوافع المشبوهة لحروب بلادهم الدائمة ضد الشعوب الفقيرة في الشرق الأوسط (الموسم الأوّل عن سوريا واليمن) وأميركا اللاتينية (الموسم الثاني عن فنزويلا) منذ مئة عام على الأقل.



ولكيلا يذهب أحدنا سريعاً إلى اعتبار ما ذهبنا إليه استجابة منفعلة لعقل مؤامراتي حول مجرّد مسلسل درامي آخر من عشرات تحفل بها الشاشات الأميركيّة والعالميّة وتندرج كلها في إطار البروباغندا المحض أو المقنّعة، فإن مدى انخراط المؤسسة الأمنيّة الأميركيّة في صياغة هذا المسلسل تحديداً وتوجيه مضامينه وإنتاجه وتصويره ــ وهذه ليست أسراراً ـــ ينبغي أن يثير الريبة والاهتمام معاً كمساحة يمكن عبورها لاستكشاف نوازع الشرّ في العقل الإمبراطوري المريض.
للحقيقة، فإن علاقة شخصيّة رجل المخابرات جاك رايان بالمؤسسة الأمنيّة الأميركيّة ليست جديدة، بل تعود إلى عام 1984 في العهد الريغاني ضمن سلسلة روايات شعبيّة مؤدلجة كتبها توماس كلانسي (1947 – 2013) الروائي المفضّل للرئيس رونالد ريغان الآتي إلى البيت الأبيض من هوليوود. كان كلانسي يعرض أعماله قبل نشرها على مكتب الإرشاد العام في لانغلي ـ مقر المخابرات الأميركيّة الرئيسي في ولاية فرجينيا ـ ويحظى بتوجيهات تقنيّة من خبرائها. وكثيراً ما استضافته الأسلحة العسكريّة المختلفة للتحدث مع الجنود عن علاقة الأدب بالسياسة. وقد أُنتجت أفلام عدة عن بطولات جاك رايان توالى على تقديم بطولتها نجوم هوليوود الكبار من المقرّبين إلى السلطة (أليك بولدوين، هاريسون فورد، بين أفليك، كريس باين)، وحصلوا جميعهم على دعم وتوجيه واحد أو أكثر من الأجهزة الأمنيّة التي تدير الدولة الأميركيّة. منتجا المسلسل الذي تقدمه «أمازون» على منصتها للفيديو عبر الإنترنت كارلتون كوز وغراهام رولاند، كما الممثل جون كراسنسكي (يؤدي دور رايان إلى جانب دوره المنتج المنفّذ للعمل) قرروا تسليم رقبة منتجهم بالكامل لجواسيس لانغلي الشرفاء الذين يجب أن يشكرهم كلّ مواطن أميركي يومياً على خدمتهم المتفانية من أجل الأمة وفق تصريح كراسنسكي. ويبدو أن هؤلاء اختاروا الانتقال برايان من دهاليز حرب الإرهاب الإسلامي الممتدّ عبر أفغانستان واليمن وسوريا ومن ثم فرنسا والداخل الأميركي التي استهلكت الموسم الأوّل، إلى السّاحة الأكثر سخونة في السنتين الأخيريتين: فنزويلا البوليفاريّة التي خرجت عن الطاعة منذ عقدين، رغم أنها تملك أكبر رصيد للنفط في العالم ونصف احتياطات الكوكب من الذهب الخام. هكذا، رسموا حدود المسلسل مع فريق العمل، وحدّدوا رؤيته، ووجهوا ممثليه، وسمحوا لهم بالتصوير الحيّ داخل مكاتب لانغلي، واحتفلوا معهم بعرض الحلقة الأولى على مسرح قاعدة عسكريّة أميركيّة في بريطانيا بحضور طاقم المخابرات المتمركز في لندن. أما البنتاغون الذي كان قد تحفّظ عن دعم الموسم الأوّل بسبب بعض المشاهد التي قدّمت فيها القوات الأميركيّة وهي توفّر الحماية لمواقع تعذيب سرية تديرها المخابرات أو أثناء ممارستها قتل المدنيين بالدرونات، فإنّه سمح للقوات البحريّة هذا الموسم بتقديم المساعدة لفريق عمل المسلسل، لا سيّما عبر توفير قطع بحريّة مقاتلة للتصوير المجاني على حساب الناخبين بالطبع.
في فنزويلا، صُورت المشاهد الخارجية في كولومبيا المجاورة لأسباب مفهومة طبعاً. مهمّة رايان تبدأ من محاولة متحضرة للاستفسار ديبلوماسياً من الرئيس نيكولاس رييّس عن حقيقة شحنة سريّة وصلت إلى ميناء فنزويلي على سفينة روسيّة (بالتأكيد) استُخدمت سابقاً في نقل أسلحة للنظام السوري. القلق الأميركي من طبيعة الشحنة ــ ساد الاعتقاد بأنها نووية ـــ تحكمه مع ذلك قيادة حكيمة متوازنة تردع رايان عن اتّخاذ مواقف متشنّجة تجاه الجانب الروسي أو الفنزويلّي قبل تقصٍّ مستوف للحقائق. هكذا ينتقل رايان مع سيناتور أميركي من أصل فنزويلي ويلحق بهما رئيسه السابق جيمس غرير (يلعب دوره ويندل بيرس) إلى كاراكاس لمقابلة رئيس ديكتاتوريّ يمينيّ يقدّم كصورة كاريكاتور مشوهة للرئيس نيكولاس مادورو الرئيس الحالي للبلاد. ولما يتبيّن أن الشحنة مجرّد خداع لا أساس له من الصحة، فإنّ الأحداث تتطور عبر اغتيال السيناتور الأميركي في كمين مسلّح، وتوجيه الاتّهام للرئيس بتدبيرها. هكذا يقضي جاك رايان بقيّة المسلسل في جهود مكثّفة لإسقاط الديكتاتور ودعم المرشحة اللطيفة غلوريا بونالدي. شخصيّة الرئيس الشوفيني اليميني القاسي وتوجهاته السياسيّة وفق المسلسل، لا تتوافق بالطبع مع الحقائق على الأرض. فهذا النموذج من الرؤساء يشبه المجموعة التي تدعمها حكومة الولايات المتّحدة للوصول إلى السلطة، بينما الرئيس مادورو يساريّ منتخب شرعياً تدعمه أغلبيّة شعبيّة ويقود نظاماً ثورياً بوليفارياً. في المقابل، تقدّم زعيمة المعارضة بوصفها شخصيّة يسارية متحرّرة ومناصرة لحقوق الفقراء، بينما تدعم الولايات المتّحدة هذه الأيام خوان غوايدو الثري المرتشي والفاسد واليميني التوجهات. وليبرّر رايان التدخل الأميركي في البلاد، يعمد إلى تهريب فيلم عن التجاوزات اللإنسانيّة لنظام مادورو في تعذيب معارضيه للصحافة العالميّة، لينقلب الرأي العام ضده داخل البلاد وخارجها أثناء الانتخابات الرئاسيّة.
المسلسل بموسميه مأساة ثقافيّة تامّة، وتسطيح لصورة العالم بتوقيع لا يخفى للمخابرات الأميركيّة. قلب الحقائق قد لا يكون كافياً وحده لإدانة العمل، إذ لا حدود للخيال طبعاً. لكن المسلسل يعتمد بكثافة دور الجاسوس الأميركي التقليدي الممل: البطل الأبيض المغوار منقذ الفقراء الملونين من الطغاة، الذي يعاكس بداياته المتواضعة الأكاديمية الطابع، ليصبح بطل حركة وقاتلاً محترفاً. مع ذلك، هو لطيف المعشر، يلقي بالحكم الساخرة كلّما فغر فاه، وتعشقه النساء الجميلات ويحبه الأطفال. ويقع الموسم الثاني ــ كما الأول تماماً ــ في فخ النظرة الأحاديّة العنصريّة تجاه الآخر. فكما المسلمون في الموسم الأول إرهابيون ومغتصبو أطفال وخونة وتجار رقيق أبيض وقتلة بدم بارد أطفالاً كانوا أم كباراً ويكرهون قيمنا الديمقراطيّة، لا يبخل الموسم الثاني في تقديم الفنزويليين شعباً من الفاسدين القتلة وقساة القلوب المتوحشين الذين يمكن شراؤهم بالمال، ويُحكمون بالحديد والنار. وما دام أحدهم من غير ذوي البشرة البيضاء، فإنه فقط ينتظر الوقت المناسب للانقضاض على الأميركيين الطيبين.
وفوق ذلك كلّه، يحاول المسلسل إخفاء الدوافع الحقيقية للنزعة الأميركية للهيمنة على ما تعتبرها حديقتها الخلفيّة، أميركا اللاتينية، ويقتصرها على مسألة ملفقة بشأن حقوق الإنسان والتعذيب، مع أن رصيد الولايات المتحدة في هذا المجال تحديداً لا يدانيه أحد. ويفسّر المصاعب الاقتصادية في فنزويلا والناشئة أصلاً عن الحرب الاقتصاديّة الأميركيّة بفساد نظام مادورو، ويستهدف بشكل أو بآخر بناء وعي مزيّف في ذهن الأميركيين العاديين بشأن محاولات واشنطن المستمرة لقلب النظام الوطني في تلك البلاد الملعونة بجوارها السيئ.
فنياً، فإن المبالغة في أداء دور يليق بمزاج «جيمس بوند الحرب الباردة» المبتذل وضعت كراسنسكي الثقيل الظلّ أصلاً في صندوق كبّله تماماً، فجاء أداؤه مفتقداً للتلقائيّة أو الإبداع كأنه يؤدّي وظيفة يوميّة مجبراً عليها، بينما شكل إصرار المخابرات الأميركيّة على شيطنة دور الرئيس الفنزويلي إلى أداء هزليّ لشخصيّة البطل النقيض الشرير. بدا السّرد مفتقداً لعنصر المفاجأة، متوقّعاً وسطحياً ومكرّراً، مع توظيف زائد لجرعة الخدع البصريّة. بموسميه على «أمازون»، فإن «جاك رايان» مجرّد كليشيه جاسوس غربي ولعبة خشبيّة سمجة توظفها المخابرات الأميركية في حرب ثقافية تنتمي لعصر مضى، مؤطرة بتسطيح مخلّ لصورة العالم. حرب خداع للذات، وللشعب الأميركي ولشعوب العالم. خداع لا يبدو أن أحداً يصدقه هذه الأيّام سوى جاك رايان نفسه. بعد مهمته القذرة في فنزويلا، ها هو يستعد الآن لموسم ثالث أعلنت «أمازون» عن الشروع في إنتاجه منذ بعض الوقت، حيث سيجد مستشارو لانغلي السايكوباثيين حتماً جبهة أخرى لقتل عدد من غير الأميركيين وقلب نظامهم (هونغ كونغ؟ بوليفيا؟ إيران؟)، بينما يَعد المشاهدون أنفسهم بموسم آخر من القمامة الأيديولوجية وساعات ثمان من التثاؤب.