على مدى أشهر، دارت كاميرا المخرجَين البريطاني بيتر ويبر (Girl with a Pearl Earring ــ عام 2003) والإسباني أليخاندرو توليدو (شارك في Loving Pablo عام 2017 كمخرج وحدة ثانية) في مناطق تونسية عدّة من بينها سيدي بو سعيد والحمّامات وزغوان ومنوبة لتصوير المسلسل التاريخي العربي الضخم «ممالك النار» (بلغت ميزانيته حوالى 40 مليون دولار أميركي ــ 15 حلقة مدة كل منها 60 دقيقة) عن نصّ للمصري محمد سليمان عبد الملك (سيناريو وحوار: أحمد ندا)، فيما تولّت استديوات «جينو ميديا» (ياسر حارب) مهمّة الإنتاج. مع انطلاق المشروع في سرية تامّة، كانت كلّ الأنباء الواردة من الكواليس والمتداوَلة إعلامياً تؤكّد أنّه سيُعرض على «نتفليكس». غير أنّه يبدو أن شبكة mbc السعودية استحوذت على العمل الدرامي الذي تعلّق عليه آمالاً كثيرة وتبدأ عرضه على قنواتها اعتباراً من 17 تشرين الثاني (نوفمبر) الحالي.

يشدّد القائمون على «ممالك النار» على أنّه أُنجز وفق مقوّمات إنتاجية ضخمة تحت إشراف فريق تقنيّ عالميّ، نفّذ مشاهد تضمّ مؤثرات بصرية «مبهرة ومعارك كبرى وقصصاً متشابكة وشخصيات مركّبة». ويتباهى هؤلاء أيضاً بأنّ إعلانه الترويجي حقّق في غضون أسبوع واحد فقط أكثر من 12 مليون مشاهدة.

تجسّد الممثلة السورية القديرة منى واصف شخصية «أم الخليفة»

يوثّق «ممالك النار» درامياً الحقبة الأخيرة من دولة المماليك وسقوطها على يد العثمانيين في بدايات القرن السادس عشر، مسلّطاً الضوء في الوقت نفسه على مرحلة في التاريخ العربي غنية بالأحداث، محاولاً «كشف العديد من الحقائق». هكذا، تتناول الحكاية التحوّلات الكبرى لتاريخ المنطقة منذ معركة «جالديران» بين العثمانيين والفرس، ومن ثم معركة «مرج دابق» بين العثمانيين والمماليك. التركيز سيكون على حياة السلطان سليم الأوّل الذي حكم الدولة العثمانية في الفترة الممتدة بين عامي 1512 و1520، راصداً «المجازر وأعمال السلب والنهب التي قامت بها قوّات الإنكشارية في حق أهل مصر والشام»، إلى جانب حروب السلطان العثماني المتلاحقة ضد الفرس أوّلاً ثم المماليك، وتغيير وجهة فتوحاته من أوروبا إلى الشرق والاحتلال بحدّ السيف.
قائمة الأبطال المشاركين في المسلسل تشمل مجموعة كبيرة من نجوم الدراما العربية، نذكر منهم: رشيد عساف (سلطان المماليك قانصوه الغوري)، ومنى واصف (أم الخليفة)، ومحمود نصر (سليم الأوّل)، وعبد المنعم عمايري (السلطات بايزيد)، وديمة قندلفت (مريم)، وكندة حنا (نلباي)، وخالد النبوي (طومان باي)، ويارى قاسم (تولاي)، ومحمد الجندي، وسهير بن عمارة، ورنا شميّس، ونضال نجم، وغيرهم.
أُنجز وفق مقوّمات إنتاجية ضخمة تحت إشراف فريق تقني عالمي


في انتظار ولادته على الشاشة وتقييمه لاحقاً، لا بدّ من التوقّف عند حرص الميديا السعودية (ومن خلفها الإماراتية) على الترويج للمسلسل الذي «يفضح استبداد العثمانيين وتاريخهم الدموي»، على حدّ تعبير صحيفة «عكاظ». في مقابلة نُشرت في عدد أمس الثلاثاء من صحيفة «العرب» اللندنية، نقل محمد عبد الهادي عن محمد سليمان عبد الملك قوله إنّ «المسلسل يكشف الجانب المظلم للغزو العثماني، ويبني وعياً حقيقياً للمواطن العربي نحو تراثه وماضيه». علماً بأنّ المادة حملت عنواناً يؤكد أنّ «ممالك النار» يواجه الدراما التركية بـ «تصحيح التاريخ».
الكباش بين السعوديين والأتراك على صعيد الترفيه وصناعة الدارما ليس جديداً. جميعنا يذكر حين توقّفت mbc عن عرض المسلسلات التركية المدبلجة إلى اللهجة السورية، بعدما كانت أوّل من رفع لواءها وروّج لها في منطقتنا وحصد منها شعبية واسعة وأرباحاً لا يُستهان بها. جرى ذلك بعد مساندة تركيا لقطر في حربها مع دول خليجية عدّة على رأسها السعودية والتي بدأت في 2017. تزامن ذلك مع تعميم بعض القنوات والمجلات السعودية قراراً بمنع نشر أو عرض أي عمل أو خبر يتعلّق بالنجوم الأتراك. هنا، تجدر الإشارة إلى أنّ بعض المسلسلات التركية سجّلت أخيراً عودة إلى قنوات mbc التي تبثّ من خارج الرياض (على شاكلة «mbc 5» و«mbc العراق») وإلى تطبيق «شاهد» للـ «ستريمينغ» التابع لها. أما «روتانا»، فقد اتّخذت بدورها قراراً يشمل كل قنواتها يقضي بعدم عرض أو تناول الدراما التركية بأيّ شكل من الأشكال، ناهيك عن إلغاء نشر الأخبار التركية من جميع برامجها الفنية والترفيهية.