بعد مرور أكثر من أسبوعين على تظاهرات الحراك الشعبي في الشوارع ومواكبة الإعلام له، وفتحه الهواء يومياً لإستصراحات الناس، تغيّرت الصورة أمس مع الدعوة ليلاً الى إقفال الطرقات، وتغيير هذا السلوك في فترة ما بعد الظهر، بعيد تصاعد التوتر في الشارع، ونقل السوشال ميديا لحالات كثيرة وثّقتها كاميرات الهواتف من حوادث ذّلت المواطنين سيما أولئك الذين ضيّق عليهم بينما ذووهم يرزحون في حالات صحية حرجة، وأخرى سجلت لمجموعة إشكالات فردية حصلت بين المواطنين في الشارع على خلفية إقفال الطرق.

إزاء تصاعد هذه الاصوات التي تعاظمت بشكل كبير، سارع العديد من الناشطين على المنصات الإفتراضية وبسحر ساحر الى الدعوة الى اعتماد طرق أخرى في الإحتجاج، بدل إقفال الطرق، واللجوء الى التظاهر امام مراكز حيوية للدولة اللبنانية وتصويب البوصلة صوب المصارف في كافة المناطق. وكان اللافت هنا، شروع مراسلين وعاملين في الإعلام المرئي بالتصدي لهذا الأمر عبر منشورات جماعية، بدت منسقة عما يجب أن يكون عليه الشارع في اليوم التالي. بدا هؤلاء أشبه بمحركين ومنظرين خلف الشاشة لحركة الناس المحتجين ومنصبين أنفسهم على أنهم قادة الحراك. مساء، سرت هذه الأجواء على التغطيات التلفزيونية، التي عمّتها أجواء التنديد بإقفال الطرق، وبدا أن هناك «تكويعة» تنسحب على المشهد، بعد أكثر من أسبوعين على الحضّ على التظاهر، وفتح الهواء أحياناً للغوغاء، وإهمال خطوات مهمة في التحرك قد تخلق في الرأي العام، فرصة للتصويب على مكامن الخلل والفساد والمسؤولين عن تجويع الناس.



ففي مقدمة «الجديد» أمس، حديث عن «ذلّ الشوارع وإقفال بعضها واسترجاع زمن لا يدرك زمنه سوى الخبراء في الميليشيات وحواجزها» وتوصيف للمرة الأولى هؤلاء بـ «زعران الشوارع وحراس المتاريس» وسرد لحوادث عدة سجلها يوم الأمس، من إذلال المواطنين على الحواجز سيما المرأة التي منعت من الذهاب الى والدتها المريضة في خلدة. أما على mtv، فتلميح واضح الى مسار آخر سيأخذه الحراك، عبر القول بأن الحراك الشعبي «سيتمدد من الشوارع الى مباغتة مقرات رسمية ومرافق تجارية وسياحية يعتبرها الثوار مصادر الفساد والتعثر الإقتصادي». وفي التغطيات الميدانية، عمد المراسلون/ ات للمرة الأولى الى استجواب المحتجين حول جدوى قطع الطرق والتضييق على الناس!
إذاً، بعد دخولنا اليوم العشرين على الحراك الشعبي، انقلبت كفة التغطية التلفزيونية، لصالح واقع لم يعد يحتمل المشهدية اليومية المذلة للناس، إذ سرعان ما تغيّر الخطاب الإعلامي بمعية وجوه تلفزيونية معروفة، اعتقدت انها تتحكم بالجمهور الغاضب من وراء شاشة، وإذ بها مع مؤسساتها تقرأ واقعاً على حافة الإنفجار الشعبي، وخسارة ستسجل في روزنامة الحراك وضياع بوصلته الأساسية. حتى مع انتشار الناشطين أمام بعض المقار الرسمية والمؤسساتية، فإن هذا الإعلام نفسه، قصّر في التغطية والمواكبة، بل همّش أحداثها، وهنا يكمن السؤال الأبرز : «لماذا؟».