في وقت وصل فيه التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي إلى حالة متقدمة، عبر تمريره إعلامياً، وسياسياً وديبلوماسياً أو التعتيم على ممارساته واحتلاله للأرض، وفي ظل الترويج والعمل الجدي على إنجاز ما سميّ بـ «صفقة القرن»، تسير مبادرة «التجمع المناهض للفصل العنصري» عكس التيار، حتى داخل لبنان... في البلد الذي قاوم الاحتلال الإسرائيلي ودحره من الأرض، ما زال بعض اللبنانيين، يمارسون خطاباً محايداً حياله أو أقله لا يتماهون مع خطاب مقاوم مطلوب. المبادرة التعليمية المستقلة التي أطلقتها الإعلامية مايا مجذوب أخيراً، بالتعاون مع «مركز البحث والتدريب الإعلامي» الذي يديره جاد ملكي في الجامعة اللبنانية الأميركيّة، ومع أستاذة الإعلام والتواصل غريتيش كينغ في الجامعة نفسها (منسقة المشروع)، أبصرت النور قبل أيام في LAU، تحت شعار «مقاومة الاحتلال في الفضاء الإلكتروني».


المبادرة التعليمية المستقلة التي أطلقتها مايا مجذوب تحمل شعار «مقاومة الاحتلال في الفضاء الإلكتروني»

الإطلاق جمع عدداً من الشخصيات التي ستتولى في نهاية الشهر الحالي، إقامة ورش تدريبية مجانية مفتوحة للجميع، بهدف اكتساب مهارات المحاججة المضادة للسردية الصهيونية، التي يرّوج لها الاحتلال، وتحويلها إلى مهارات عملية، مساحتها حاضرة في العالم الرقمي. من ضمن هذه الشخصيات التي كانت حاضرة المتخصص في الإعلام الرقمي خضر سلامة، الذي سيخصص ورشته العملية، لتناول تقنيات «ويكيبيديا» وكيفية تحرير موادها، لا سيما الإنكليزية التي يصب الغالب منها في خانة الترويج لوجهة نظر العدو. ومن الحاضرين أيضاً، صانع الأفلام والباحث والمصوّر أديب فرحات، الذي سيعمل بدوره من خلال ورش التدريب على تفكيك السردية الصهيونية في السينما، لا سيما تلك الأفلام المعروضة على «نتفليكس» وتحليل تقنياتها البصرية ومحتواها، خاصة لجهة إثارتها التعاطف مع الاحتلال بسهولة فائقة لأي مشاهد لها. أما كينغ، فستتولى الشق التعليمي، الخاص بالمناهج الدراسية، مع الإشارة إلى أنّ أغلب هذه المناهج مكتوبة وفق السردية الاستعمارية. في هذه الورشة، ستعطي كينغ طرق إدخال مواد متعلقة بفلسطين، من وجهة نظر شعوب مستعمَرة وتحررية. إلى جانب هذه الشخصيات المحترفة، تضمن احتفال الإطلاق مداخلات عبر الفيديو لكل من الأكاديمي أسعد أبو خليل، والمتخصّص في العدالة الجنائيّة وحقوق الإنسان عمر نشابة، والناشط السويدي بنجامين لادرا.
مؤسِّسة التجمع مايا مجذوب، التي سبقت موعد الإطلاق، بفيديو قصير، تحدثت عن التقنيات الرقمية التي يستخدمها الاحتلال في الفضاء الرقمي، لتلميع صورته، ثم عادت وتناولت في جلسة إطلاق المبادرة ما أسمته بـ «الديبلوماسية الرقمية» التي تزرع في كل وزارات الكيان التي باتت مزوّدة بأذرع على المساحة التفاعلية، كأفيخاي أدرعي على سبيل المثال. ركزت مجذوب على أهمية خلق استراتيجية مدروسة، تكون أرضيتها الشبكة العنكبوتية، حيث تتمركز في الوقت الحالي المعركة مع الكيان بشكل أكبر. في حديث مع «الأخبار»، تخبرنا مجذوب عن الأسباب التي دفعتها إلى إنشاء مبادرة «التجمع المناهض للفصل العنصري»، كوننا نشهد بداية «تراجعاً هائلاً على مستوى الأيديولوجيا» في ما خص قضية فلسطين. تركز الإعلامية الشابة، على أهمية مأسسة خطاب مضاد للسردية الصهيونية في الفضاء الإلكتروني وترك الخطابات العاطفية جانباً، للتحرك صوب اكتساب مهارات عملية، تسهم في دحض ما يسعى إليه الصهاينة على الفضاء الإلكتروني.
ورشات لتفكيك خطاب الإعلام وكيفية تعاطيه مع قضية فلسطين

ولهذا الغرض، قامت بالتشبيك مع شخصيات أكاديمية، تتمتع بخلفية واضحة، وبموقف واضح حيال قضية فلسطين ومناهضة الاحتلال، واتّفق على مأسسة التجمع، وتخصيص صفوف مجانية للراغبين، من زوايا مختلفة، تسهم في الحضور الفاعل أكثر على الفضاء الإلكتروني، وحسن استخدام تقنياته. من ضمن الصفوف، إضاءة مع المخرجة والأستاذة المسرحية (في «الجامعة اللبنانية الأميركية» - LAU)، على استخدام المسرح الدرامي، في فن التواصل والمحاججة، ومع رانيا مصري، التي تخصّص ورشتها لتفكيك الخطاب الإعلامي وكيفية تعاطي الإعلام مع قضية فلسطين، والمصطلحات المستخدمة في علم الخطاب الإعلامي.
لا يقف الأمر عند إفساح المجال لورش تدريبية مع اختصاصيين ومحترفين إلى العامة تطوعوا في هذه الصفوف، بل تسعى مايا مجذوب، إلى تحويل جزء كبير من الورش إلى مواد رقمية، والعمل على استمالة جزء من اللبنانيين الذين تبقى مواقفهم رمادية حيال الاحتلال. تسعى مجذوب على المدى الأبعد، إلى استثمار هذه الطاقات عبر خلق «خلية إلكترونية» مستقلة منها، تهدف إلى تنفيذ استراتيجية إعلامية. يتحقق ذلك بعد أن تكتسب المهارات التقنية لتكون منتشرة على الفضاء الإلكتروني وتستطيع بالفعل مجابهة المواد الصهيونية على تلك المنابر التفاعلية.