من جديد الإعلام اللبناني في مرمى السلطة الحاكمة في بلادنا. عَوْدٌ على بَدْء: الإعلام، يجزمون، هو المسؤول الأساسي عن تفاقم الأزمات النقدية والمالية والاقتصادية في البلاد، إن لم يكن المتسبّب فعلياً في افتعالها (!).

في السنوات التي سبقت اندلاع الحرب الأهلية في 1975، اتُّهم إعلام لبنان (ولم يكن يوجد وقتذاك إلّا الصحافة المطبوعة) بتهمتيْن خطيرتيْن: الأولى، التمهيد للحرب من خلال التحريض السياسي والطائفي عليها؛ والثانية، ارتهان الصحافة للرأسمال الخارجي (العربي تحديداً) على حساب المصلحة الوطنية العليا. وقد اختصر الرئيس الراحل شارل حلو العلاقة الإشكالية التي نشأت، حينذاك، بين السلطة السياسية والصحافيّين بقوله الشهير أثناء استقباله لهم في القصر الجمهوري: «أهلاً بكم في وطنكم الثاني لبنان».
وبعد حرب السنتيْن (كما سُمِّيت)، وُجِّهت إلى الصحافة اللبنانية تهمة جديدة، هي العمل على إذكاء نار الحرب الأهلية، وقد تُرجمت هذه التهمة بفرض الرقابة المسبقة على وسائل الإعلام من خلال المرسوم 01/01/1977، ومن ثم بإصدار المرسوم الاشتراعي رقم 104، والذي تميّز بالتشدُّد في العقوبات على جرائم المطبوعات، بالإضافة إلى فرضه الرقابة على الموارد المالية للمؤسّسات الصحافية.

بوليغان ـــ المكسيك

وبالأمس القريب، ارتفعت من جلسة مجلس الوزراء اتهاماتٌ، وصلت بحرفيّتها إلى مسامع اللبنانيّين المحشورين في النفق المظلم حيث رماهم حكَّامُ البلاد، وتقول صراحةً إنّ إعلام لبنان (هكذا كتلة واحدة!) هو المسؤول الأول والأخير عن المأساتيْن الصغرى والكبرى في بلد المآسي. كأنّ هذه الاتهامات عينها تشير، ولكن ضمناً، إلى أنّه لولا هذا الإعلام اللبناني، لكان كلّ شيء بخير ويسير وفق المصلحة العليا والعامّة، وبناءً عليه يُعتَبَر كذباً وافتراءً كلُّ كلامٍ آخر مغاير، ويتوجّب محاسبة وسجن كلّ مخالفٍ لمضمون «الفرمان السلطاني». نعم هكذا وكوني فكانت. إذْ إنّ حرّية الإعلام، لمن لا يعرف، لا تعني حرّية إطلاق الشائعات المغرضة والمؤذية للوطن، على حدّ تعبير رئيس البلاد، ليردف بعده رئيس وزراء العباد مصوِّباً بأنّ فرْض الغرامات المالية عقابٌ أنجع (في ظلّ الأزمة النقدية؟) بحقّ كلّ من تثبت التهمة عليه من الصحافيّين والمواطنين الذين يتعاطون وسائل التواصل الاجتماعي. اللافت المقلق أنّ هذيْن التحذيريْن- الاتهاميْن، لم يضعا «خارطة طريق» لكيفية المحاسبة، أو أقلّه «مانيفستو» بنماذج المخالفات التي سيُحاكَم على أساسها الإعلام المشاغب! فهل تقرير موثَّق بالأرقام عن مساوئ الهندسة المالية لحاكم مصرف لبنان، مثلاً، هو إشاعة؟ أم إنّ خبراً عن هلع الناس وركضهم لسحب أموالهم من المصارف هو معلومة كاذبة؟ أم إنّ حديثاً لخبير اقتصادي رزين يُشَرِّح سياسات الدولة الاقتصادية الفاشلة (غير الموجودة أصلاً) هو دسٌّ مُغرِض؟
الخطير في هذا التجرّؤ المتجدّد على الإعلام، هو أنّه ترك الباب مشرَّعاً أمام ما تتفتَّق عنه شهيّة حكِّامنا من عقوبات ورغبات دفينة بالانتقام، ممّن تسوّل له نفسه من الصحافيّين أن يقوم بالدور الذي كان يجب أن يقوم به منذ زمن طويل. ما يعني، أنّ الزملاء الصحافيّين سيسيرون، من الآن وصاعداً، «على ما يقدّر الله»، مع التزام أقصى درجات الحيطة والحذر التي تبدأ بكَمِّ أفواههم، كي يعمَّ الصمت المطلوب في الجمهورية. هو هذا الصمت المُطْبِق الذي يعشقه، تحديداً، حكّام لبنان ويتطلّعون إليه: الصمت عن التسويات في ما بينهم، الصمت عن المناحرات في ما بين أتباعهم، الصمت عن ارتكاباتهم التي لا تعرف حدوداً، الصمت عن أزمات البلد وأسبابها ومسبّبيها، الصمت عن الصفقات وأبطالها وحراميّيها، الصمت عن الفضائح ومصادر انبعاث روائحها، الصمت عن المزارع والدهاليز الطائفية، الصمت عن المتلاعبين بالعملة الصعبة، الصمت عن تهريب ثروات بعض الحكّام إلى الخارج، الصمت عن مكتسبات عائلاتهم والمقرّبين منهم، الصمت عن المهرّبين وكلّ المعابر التي استطاعوا إليها سبيلاً، الصمت عن القوّادين ومَنْ يغطّيهم من شرفاء الأمة، الصمت عن العمالة ومَنْ يحمي العملاء من كبار القوم، الصمت عن هدْر الكرامات، الصمت عن... حقوقنا وأوجاعنا وإذلالنا وقتْل عنفواننا.
في جمهورية الصمت المريب هذه، مرفوضٌ ومُدانٌ ومستَنكَرٌ استهدافُ حكّامنا للإعلام ولإعلاميّينا، تحت أيّ مسمّى كان، وهو يستدعي منّا التحرّك الحقوقي والإعلامي والسياسي السريع لوقفه عند حدّه، لا سيّما أنّ هذا الاستهداف، ليس مستنداً إلى أيّ نصّ قانوني، أو نابعاً من حرصٍ على «ضبط وقوننة» أخلاقيات حرية التعبير في البلد. بل هو قائم، فقط، على تقديرات شخصية غير مدعومة بأيّ دليل حسّي، وناتجٌ عن ردّة فعل، لا أكثر، من قِبَل طبقة سياسية فاقدة المصداقية، ويطابق عجزُها في الإدارة والحكم والتدبّر كلّ المواصفات، لدرجة عدم قدرتها، حتى، على تسمية شخصٍ واحد تسبّب قبل عشر سنوات بقطع شجرة يابسة في جرود رأس بعلبك.
لكن في جمهورية الصمت، ساء الحكّام الأشاوس أن يعكّر صفو هذا الصمت الآن، وفي هذه اللحظة الاقتصادية الحرجة، صوت بضعة مغرّدين (يخلطون بينهم وبين الإعلاميّين) أو بضعة صحافيّين كانوا قد اعتبروا أنّهم باتوا «في الجيبة». والسلطة، للأمانة، غير مخطئة، تماماً، في توقّعاتها، لأنّها تعرف ما مورِس ويُمارَس، دائماً، بحقّ هؤلاء الصحافيّين والإعلاميّين من ارتكاباتٍ استطاعت، على مدى سنواتٍ طوال، تطويعهم محوِّلةً واقع مهنة الصحافة والإعلام في لبنان، إلى واقعٍ مضطرب ومأزوم ومُنتَهَك الحُرْمة.
تقرير موثَّق بالأرقام عن مساوئ الهندسة المالية لحاكم مصرف لبنان هو إشاعة؟

ففي بلدٍ كلبنان، تظلّل نظامَه السياسي أزماتٌ بنيوية مستعصية، يحوز فيه العمل الصحافي قسطاً كبيراً من المشاكل والعراقيل يعزّزها: المحاصصة الطائفية، والتنافس المحموم، والصراعات على ملكية وسائل الإعلام، والأزمات المالية، وعدم الأمان الوظيفي، وتقادم القوانين وعدم مواكبتها للمستجدّات والاستنسابية في تطبيقها، وقصور العمل النقابي، وضعْف المهارات لدى الإعلاميّين في التعامل مع الأزمات والظروف الصعبة، وعدم تأهيلهم لذلك... الصحافيون والإعلاميون اللبنانيون، و«بفضل» طبيعة نظامٍ ممانع لمبادرة تعزيز وحماية المهنة، يتحوّلون مع الوقت، بمعظمهم (تحوّلوا؟)، إلى ناطقين باسم قوى وتيارات سياسية متنازعة، ويعملون ضمن مؤسّساتٍ فئوية، بغالبيتها. وتميل الأكثرية الساحقة من أصحاب الوسائل الإعلامية في لبنان، إلى التواطؤ مع السلطات و​القطاع الخاصّ الغني، لعقد تسوياتٍ تقوم على أساس السعي إلى تحصيل الأرباح لأصحابها ومالكيها (ولو بأساليب غير مشروعة أو ملتوية). والصحافيون والإعلاميون اللبنانيون باتوا اليوم، بمعظمهم، رهينة هذه المؤسّسات والشركات الخاصّة، التي تعجز حتى اللحظة (من غير سبب مفهوم) عن التفاهم على قواسم مشتركة، تخصّ ما يُسمّى، عادةً، في الدول المحترمة «الحقّ العام». أي أن يكون إعلامنا اللبناني، ولا سيما التلفزيوني منه، غير خاضع لحسابات شخصية فقط، وأن يُصار إلى فرض قواعد وقوانين تمنع أن تغدو وسائل الإعلام منصّات لإطلاق وتسويق وترويج ما تريد القوى السياسية أن تقوله، مباشرةً، أو مواربةً عبر أبواقها التي تختار هي، وعلى الطريقة السورية، أسماءها ورتبها.
أمّا بعد، فإنّ تجدّد استهداف الإعلام اللبناني، لا بدّ من التذكير، يتزامن ولسخرية القدر (بفارق ساعاتٍ قليلة فقط)، مع تجدّد استهداف الإعلام الأميركي من قِبَل الرئيس المثير للجدل دونالد ترامب. فهذا الأخير المعروف بعلاقته العدائية المتأصِّلة مع الصحافيّين ووسائل الإعلام، هاجم بكلّ النعوت المتوفِّرة في قاموسه اللغوي الضئيل، «موبقات» الإعلام الأميركي الذي «يزرع الكراهية تجاهه شخصياً». ترتجف شفاه الرئيس ترامب وهو يستحضر الصفات الشنيعة للعاملين في وسائل الإعلام الأميركية الرئيسية، فيذكِّر منظره بمشهدٍ من فيلم شارلي شابلن الشهير عن هتلر «الديكتاتور العظيم». الإعلام «عدوّ الشعب»، قالها ترامب منفعلاً في هجومه العلني والحادّ على الصحافة والصحافيّين، ما رفع الخشية في الولايات المتحدة من أن يكون هدف الرئيس (الطامح مجدّداً للسلطة)، هو المسّ بمهنية المعارضين من الصحافيّين ومصداقيتهم، وتشويه سمعة وسائل الإعلام. وأن يكون، أيضاً، محاولةً لوضع حدود على الصحافيّين وتقويض مقدرتهم على لعب دورهم المركزي في محاسبة المسؤولين الحكوميّين. هل ما يصيبنا في لبنان يا ترى، هو هذا «الفيروس الترامبي» الذي اخترق أجواءنا المعقّمة؟ قد يكون انتقل إلينا من خلال لائحة المطالب الأميركية المأمورة السلطاتُ اللبنانية بتنفيذها! اقتضى التساؤل والخوف والقلق و... كسر الصمت.

* أستاذة في كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية