ربما ليس هناك توقيت أسوأ لإطلاق «منتجع البحر الأحمر للغوص» (نتفليكس، 2019 – 130 دقيقة). فالفيلم الذي أخرجه وكتب السيناريو له جدعون راف (الجندي السابق في الجيش الإسرائيلي) ويعاني من طرح عنصري سافر ضد الأفارقة، أُطلق في وقت وصلت فيه الأمور بيهود الفلاشا ــــ الذين بحسب الأسطورة الموسادية «أنقذهم» الرجل الإشكنازي الأبيض، وقادهم كخراف مسكينة موسى عبرانيّ جديد عبر البحر الأحمر نحو «أرض الميعاد» المزعومة ـــ إلى شنّ حملة احتجاجات عنيفة غير مسبوقة في التاريخ القصير لحياة الدولة العبرية، تعبيراً عن يأسهم ونفاد صبرهم من سوء المعاملة الممنهج، والتمييز السلبي الذي يتعرضون له من قِبل المجموعة ذات الأصول الأوروبيّة، المهيمنة على مفاتيح السلطة والثروة في «إسرائيل».

الفيلم الذي يروّج لعملية بطولية خارقة قام بها فريق من الموساد لنقل مجموعة من اليهود الإثيوبيين عبر السودان إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة بداية الثمانينيات، يستلهم أحداثه من وقائع حقيقية جرت بين عقدي السبعينيات والتسعينيات في إطار مشروع ضخم لعمليات تهريب بشر استهدفت بضع عشرات الألوف من أفراد مجموعة عرقيّة إثيوبيّة تم إقناعها بالترغيب والترهيب إثر حملة منظمّة من قبل الوكالة اليهوديّة (المعنية بتهجير يهود العالم نحو رأس الجسر الاستعماري الصهيوني في فلسطين) بأنها طائفة يهوديّة عبرانيّة تنحدر من أسباط بني إسرائيل، وتاهت في الجغرافيا والتاريخ.

كريس إيفنز في الفيلم

المشروع الذي رعاه الرئيس الأميركي جورج بوش (الأب) شخصيّاً، ونفّذت حلقاته وكالة الاستخبارات المركزيّة، بالتعاون الوثيق مع جهاز الاستخبارات الإسرائيلي والمخابرات السعودية، تمّ بتواطؤ تام من السلطات الفاسدة في إثيوبيا والسّودان، مع تظاهر المخابرات المصريّة الساداتية بالإغماء. لكنّ الأكيد أن صعوبات المشروع كانت لوجستيّة محض لا أمنيّة، ولم تكن نسبة المخاطرة الفعليّة فيه تتعدى احتمال كشف صحافيين فضوليين تعامل نظام جعفر النميري مع (العدو) الإسرائيلي، بينما يتباهى إعلامه بمسرحيّة «لاءات» قمّة الخرطوم الشهيرة عام 1967 (لا صلح، لا مفاوضات، لا اعتراف). وهو ما حدث بالفعل، وتطلب تغيير التكنيك مرّات عدة قبل إنجاز المهمّة بالكامل.
نعرف الآن أن الدفعة الأولى من «الفلاشا» نُقلت من مطار العاصمة الإثيوبية أديس أبابا مباشرة برعاية الرئيس الإثيوبي مانغستو ماريام شخصياً، وبترتيب المخابرات الأميركية تحت واجهة منظمة غير حكومية يفترض أنها نظريّاً تتصدى للمجاعة في القرن الأفريقي، مقابل تزويد النظام الإثيوبي المتهالك بالأسلحة في حربه الفاشلة ضد المتمردين (كانت تمولهم الولايات المتحدة نفسها). لكن خطورة نقل الفلاشا نحو أديس أبابا بسبب الانفلات الأمني دفع بالمخططين الأميركيين والإسرائيليين إلى التفكير بطريق آمن بديل عبر السودان الأهدأ نسبياً. هكذا تمت تجربة تأجير موقع (عروس) هو منتجع سياحي مهجور على شاطئ البحر الأحمر كانت شركة إيطاليّة قد تخلّت عنه للحكومة السودانية بعدما فشلت جهودها في تزويد الموقع بالمياه الجارية والكهرباء. سافر خمسة عملاء للموساد إلى الموقع بالفعل، وتم تشغيله لسنوات في بداية الثمانينيات، فتقاطرت الحجوزات عليه من أوروبا، ونزلت فيه قوة عسكريّة مصريّة وأخرى بريطانيّة للترفيه، من دون أن يكتشف أحد أمره، كواجهة لعمليات نقل الإثيوبيين بحراً إلى إسرائيل. اللهم باستثناء سائح يهودي ألماني كان عسكرياً سابقاً مازح أحد عملاء الموساد بشأن معدات غوص عسكرية وقعت عينه عليها.



فما كان من الأخير إلا أن قتله، وألقى بجثته في البحر لتجنّب افتضاح المشروع. الحادث تطلّب إعادة التفكير في إجراءات أكثر فاعليّة، فلجأت تل أبيب إلى السعوديين حلفائهم التاريخيين من أجل مفاتحة السودان رسمياً بالموضوع. بالفعل، رتّب ملياردير المخابرات السعوديّة الأشهر عدنان خاشقجي في قصره في كينيا (منتصف 1984) لقاء لجعفر النميري مع أرييل شارون بحضور ضباط من الطرفين السوداني والإسرائيلي. خلال اللقاء، تم التوافق على التفاصيل التقنيّة المتعلّقة بنقل يهود الفلاشا عبر مطار الخرطوم (سُميّت رمزياً بعمليّة موسى) بعد جمعهم على يد منظمات الإغاثة المشبوهة في مخيمات خاصة على الحدود الإثيوبية ـ السودانيّة مقابل رشوة قيل إنها بلغت 56 مليون دولار (أي ألف دولار على الرأس الواحد في حسابات الطاقم السوداني) تودع نقداً في حساب سريّ باسم السيّد الرئيس، ويفتح لهذه الغاية لدى فرع مصرف أوروبيّ في روما. شُرع بتنفيذ العمليّة في 20 تشرين الثاني (نوفمبر) 1984 حيث كان يُنقل اللاجئون المزعومون بالباصات الحكوميّة السودانيّة في قوافل محميّة أمنياً إلى مطار الخرطوم حيث تولت السفارة الأميركية في السودان ـــ وعبر أسطول طيران عابر تملكه إحدى منظمات الإغاثة البلجيكيّة (كان يملكه حقيقة مليونير بلجيكيّ يهودي تطوّع للمشاركة في العملية على حسابه) ــ ترحيلهم إلى «إسرائيل». وقد تسببت حينها حادثة عرضيّة لتسرّب الغاز في مستودع الشّحن في المطار – حيث كان يُجمع الإثيوبيون بانتظار صعودهم إلى الطائرات – بتسّرب الأنباء عن العملية للصحافة العالمية. ما استدعى وقفها بعد 28 رحلة فقط نقل فيها 10 آلاف إثيوبي. طار بعدها جورج بوش شخصياً إلى الخرطوم، وضغط على النميري لتنفيذ بقيّة العقد الذي قبض ثمنه مسبقاً، على أن يتولى الأميركيون بأنفسهم إدارة العمليات من مدرج طيران عسكري إنكليزي مهجور من أيّام الحرب العالمية الثانية (جنوب شرق الخرطوم) في ما أطلق عليه وقتها «مشروع سبأ». لكنّ صحافياً أميركياً كشف عن الرحلات بعد تنفيذ ستّ منها فقط، ما استدعى وقفها مجدداً. لاحقاً، استمر جورج بوش في حملته الصليبيّة هذه، وضغط على مانغستو ماريام المحاصر في أديس أبابا (أيّار 1991) لتنفيذ عمليّة ضخمة أخيرة من مطار العاصمة بغرض نقل حوالى 16 ألفاً من المتبقين من الفلاشا جمعوا في مخيم بالقرب من السفارة الإسرائيليّة مقابل رشوة نقديّة (2,000 دولار على الرأس هذه المرّة). وقد أوعز الأميركيون للمتمردين الذين كانوا على وشك اجتياح المدينة بتأجيل هجومهم النهائي خمسة أيّام للسماح بحركة الطائرات الأميركيّة من دون مخاطرات في ما سميّ بـ «جسر سليمان».
هذا السياق ضروري لفهم مدى إسفاف فيلم نتفليكس الجديد (تقييماته على المواقع المتخصصة بالمناسبة متدنيّة جداً) الذي يلعب فيه دور «آري» البطل الأبيض المنقذ – أو موسى المعاصر – الممثل الوسيم كريس إيفنز نجم سلسلة «كابتن أميركا». منذ اللحظات الأولى للفيلم، يقوم إيفنز بأعمال بطولية لا تصدّق، كل الذي ينقصها زيّ «كابتن أميركا» لتصنّف في خانة فانتازيات «مارفل» عن الأبطال الخارقين، بينما يلعب النجوم الآخرون أدواراً شديدة التسطيح لشخصيات بقيّة العملاء (هيلي بنيت وأليساندرو نيفولا وميشيل هوزمان وأليكس هاسل ومارك أفانير). ويبدو بن كنغسلي الذي قام بدور مشرف الموساد على عملية المنتجع، كأنه يجترّ بشكل سيئ أدواره السابقة ذاتها من دون اقتناع، بينما يُقدَّم الأفارقة في قوالب عنصرية نمطية لم تعد حتى هوليوود نفسها تنتجها الآن: إما خراف تقاد كقطيع، أو فاسدون بالفطرة، أو بلهاء.
يقدّم الأفارقة في قوالب عنصريّة نمطيّة لم تعد حتى هوليوود تنتجها: إما خراف تقاد كقطيع أو فاسدون أو بلهاء


ضعف الفيلم بنيوي رغم الإمكانات الدعائية الهائلة التي كان يمكن تحميلها على القصة. السيناريو يعاني من تبسيط مخلّ في رسم الحبكة، ومن البطء، رغم أن نتائجه متوقعة سلفاً، ومن مبالغات كثيرة غير مبررة (استدعاء عملاء نائمين من أنحاء الكوكب، إيقاظ بن كنغسلي في منزله في الرابعة صباحاً...)، وإضافات مختلقة (إعدام الجيش السوداني لعشرات اللاجئين المزيفين في مخيم القضارف، مشهد التفاوض مع وزير السياحة السوداني في مكتبه بينما يتم تنفيذ الإعدامات في الغرفة المجاورة...)، وصراعات جانبيّة لا تخدم القصة المركزية (شخصية العميل الطبيب النادمة دوماً على الخضوع لتهورات آري)، مع خلق شخصيات لا واقعية (عمر اليهودي الأفريقي رمز الملاك المطمئن بالإيمان الأعمى، لعب دوره مايكل كينيث وليامز، والكولونيل في الجيش السوداني عادل أحمد رمز الشيطان التام الذي لعب دوره كريس تشوك). ولم يساعد الفيلم سوء التقطيع بين المشاهد، ولا الحوارات المفعمة بكليشيهات لا نهاية لها، ولا حتى الموسيقى التصويرية الشاحبة أو مشاهد إطلاق النار الهزلية على تحسين الشكل البصري المحض للعمل بعد سقوط مضمونه.
وإذا وضعنا «منتجع البحر الأحمر للغوص» جانباً بوصفه لن يقنع أحداً ولا حتى المراهقين، فإن الذي يُقلق هو هذا الزخم المتتالي من الأفلام والمسلسلات والوثائقيات الذي تراكمه نتفليكس الأميركية، ويُعنى تحديداً بالترويج لأساطير ملفقة عن فاعلية الموساد الإسرائيلي في الخارج وبطولات المستعربين في الداخل... حتى يخال للمشتركين بأن موقع الشركة أقرب إلى كتالوغ مصورٍ في تمجيد إسرائيل. إذ يعلم المطّلعون طبعاً أن تلك علائم بارانويا وجودية إسرائيلية مزمنة اعتاد الجميع عليها وفقدت أسنانها، لكن توفّرها بهذا الشكل المريب والمفتوح على الفضاء من دون عوائق محليّة خطر استراتيجي على وعي الأجيال العربية الطالعة تحديداً التي لا تمتلك معلومات تاريخيّة كافية، وتتعرض أصلاً لنشاط تطبيعي مكثّف برعاية أنظمة بلادها العميلة. خطر لا نملك إزاءه سوى جهودنا الفرديّة الذاتية لإقناع صغارنا بأن كل ما تقوله أميركا ليس صحيحاً، وتزويدهم بأساسيات وعي نقدي في مشاهدة الأعمال الفنية كي لا يكونوا مجرد مستهلكين مغفلين.