في الأيّام الأولى لحرب تمُّوز كان كلُّ شيء يُنذِر بحجم الخراب القادم. وكان أهلُ القرى والبلدات الواقعة تحت مرمى النّار الإسرائيلية ينتظرون «يداً مـا» أو صوتاً يشدُّهم إلى «أعلى». في الليلة الثالثة جاء الصوت. أتى مشوباً بمسحة حزن، لكنه كان واثقاً بالنّصر الآتي. للمرّة الأولى، بعد ساعات عصيبة، أطلّ حينها «قائد المقاومة» برسالة صوتية مباشرة ليُعلِن حرباً مفتوحة مع إسرائيل «إلى حيفا ومـا بعد بعد حيفا» وعن أُولى مفاجآت الحرب، «أُنظُروا إليها تحترق»، مُسجِّلاً مفارقة استثنائية عسكرية-إعلامية في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي. في تلك اللحظة كان على الجبهات مقاومون يضعون يدهم على الزّناد، وكان هناك أيضاً مراسلون صحافيّون ميدانيون لم يبرحوا أمكنتهم على مدى ثلاثة وثلاثين يوماً. كيف يستعيد هؤلاء تلك اللحظة التاريخيّة؟

حلَّ المساء ثقيلاً على سُكّان بلدة الخيام الحدودية. كانت بعضُ أحيائها قد تعرَّضت نهاراً لقصف عنيف من الطيران الحربي الإسرائيلي. بلَغ مسامعَ مَن تبقّى من الأهالي أنّ «السيّد» سيوجّه خطاباً للبنانيين بعد قليل. مراسلُ قناة «المنار» وإذاعة «النور» علي شعيب كان ممّن بقوا مع الناس الذين انتقلوا للإختباء في أماكن أكثر أمناً. «كانت الشوارع خالية تماماً والناس مشدودة لسماع السيد حسن» يقول شعيب، «مع إعلان نصرالله الحرب المفتوحة وصولاً إلى مفاجأة إصابة البارجة الإسرائيلية كأنّ زلزالاً وقَع أو بركاناً انفجر في تلك اللحظة، صرختُ تلقائياً: الله أكبر». وبعد؟ «أخذتُ الكاميرا فوراً وخرجتُ إلى ساحة الخيام لأرصد ردّة الفعل حينها». يضيف شعيب: «كانت الناس قد خرجت بشكل عشوائي لتعبّر عن فرحتها باستهداف البارجة. نقلتُ المشهد من هناك عبر الهاتف ولم أتمكّن حينها من أن أحبس فرحتي مع الناس». يُقرُّ شعيب أن الناس في الأيام الأولى، بمن فيهم المراسلون الميدانيون خصوصاً، كانوا بحاجة إلى «قوّة دفع» كالتي منحهم إيّاها خطاب البارجة الإسرائيلية». قبل يومين غرّد شعيب على تويتر موصّفاً حالة الناس بعد خطاب نصرالله: «لو أُعطوا الإذن لدخلوا إلى كريات شمونة من دون سلاح»!
مراسل قناة "العربية" في ذلك الحين عدنان غملوش كان في تلك اللحظة قريباً من جسر صفير في الضاحية الجنوبية الذي تعرَّض للقصف في اليوم الأول.«هاجت الضاحية وماجت بعد إعلان ضرب البارجة»، يقول غملوش، «تحرّكتُ على الفور إلى مرفأ الأوزاعي، وهو أحد مكانَيْن مفترَضَيْن اعتقدت إسرائيل أنّ الصاروخ الذي استهدف البارجة انطلق منه». كان غملوش أوّل الواصلين إلى المكان وهو الذي لعب دوراً بارزاً في التغطية الإعلامية للحرب. يقول: «لا أُخفي عليك، على المستوى الشخصي كنت مثلي مثل كثر من اللبنانيين أعيش شعوراً أننا متّجهون لخسارة الحرب نتيجة الفارق الهائل في ميزان القوّة وحجم الهجمة الإسرائيلية». يؤكد غملوش أن لحظة واحدة تمكّنت من تعديل ميزان الرعب بيننا وبين اسرائيل وأحدثت نقلة نوعية في مسار الحرب. يضيف: «شعرتُ لحظتها أننا قادرون على استعادة الثقة بأنفسنا، وترجمتُ شعوري الشخصي على الهواء متحدثاً عن الأمر بفخر واعتزاز على عكس سياسة قناة «العربية» التي كانت في مكان آخر تماماً». يتذكّر غملوش مشهد لِقطَّة جريحة كانت ترتجف بعد قصف إسرائيل لمرفأ الأوزاعي رداً على اصابة البارجة الإسرائيلية. يومها قال الرجل في رسالته المباشرة: «حتى الحيوانات ما زالت صامدة هنا»!\
في حرب تموز 2006، علق إسم سلطان سليمان في أذهان الناس طويلاً. يتحدّث الرجل، وقد كان حينها مراسلاً لقناة «أل. بي. سي» عن تلك اللحظة: «وقتها كنّا نتابع خطاب السيد حسن في مرجعيون أنا وزملائي الفنيين من القناة. مازحني أحدهم بالقول: شو الهيئة صاحبك (يقصد السيد نصرالله) فات بالحيط». يقول سليمان: «رغم سروري بما قاله السيّد تساءلتُ في قرارة نفسي: هل يُعقل أن تكون الحماسة أخذت السيّد بعيداً ليقول ما قد يضع مصداقيته على المِحَك؟». يضيف: «لم أردّ على تعليقات الزملاء وخرجت من الغرفة التي كان تتواجد فيها شاشات لعدد من المحطات التلفزيونية العربيّة والعالمية. لم تمضِ دقيقتان حتى جاء الصوت من الداخل: تعا تعا هيدا صاحبك عملها، هيدي الـ«سي. أن. أن» حاطّة خبر عاجل عن إصابة بارجة إسرائيلية». وما كانت ردة فعلك حينها؟ «طبعاً بلّشت زرِّكلهم، وبدأتُ أشعر بأنّ هناك تحوّلاً في الصراع بيننا وبين إسرائيل». يلخّص سليمان ما استنتجه في تلك اللحظة: «عندما يكون هناك قائد ويقول كلمة وتُنَفّذ بهذه الطريقة وبهذه السرعة، لا بدّ من أن يضعنا هذا التطور النوعي في الصراع على سكّة النصر».
مِن مكان إقامته الذي لم يغادره وعائلته، عند المدخل الشّمالي لمدينة النبطية، اكتسب وجود كامل جابر قيمة إضافيّة في تغطية الحرب مُراسلاً لـ«صوت الشعب» وبالتزامن مع بدء المرحلة التجريبيّة لصدور «الأخبار». يوصّف جابر «الحالة النفسية» السائدة حينها بالقول: «بعد تخبّط في المعلومات وحملة من الحرب النفسيّة خاضها قادة العدو الإسرائيلي من جهة وبعض السياسيّين اللبنانيين من جهة ثانية، ومع غياب أيّ تعليق لأمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله، كنّا، أنا وعائلتي، بحاجة إلى ما يطمئننا أن ثمّة معادلة محسوبة كان يجب لها أن تترافق مع هذا الكمّ من القصف العشوائي والتدمير للجسور والمنشآت». يضيف: «كنا بحاجة إلى ما يشد إزرنا ويرفع من معنوياتنا ويحثّنا على الصمود، فكانت إطلالة السيد حسن نصرالله التي صفّقنا لها». يرى جابر أنّ كلام نصرالله عن البارجة الإسرائيلية تحديداً كان «ردّاً صارخاً على العدوان ونموذجاً لتحوّل القول إلى فعل في أصعب اللحظات». أمر جعل جابر وزملاءه من الإعلاميين يتيقّنون من «أن ثمة معادلة جديدة ستفرض نفسها ولن نكون نحن وحدنا الضحايا ولن نخرج من هذه الحرب مهزومين» على ما يقول جابر.
في النبطية أيضاً، واكب محمد قازان (المنار) يوميّات الحرب ومرحلة عودة الأهالي النازحين. في تلك الليلة اجتمعوا قرب محل لبيع القهوة في ساحة النبطية لمتابعة خطاب السيد نصرالله عبر شاشة تلفزيون صغير كان يعمل على مولّد كهربائي. كان هناك إلى قازان وفريق عمل «المنار»، مراسل قناة «العالم» حسين مرتضى وبضعة عناصر من شباب المقاومة. بصراحة يقول قازان: «في الأيام الأولى للحرب بدأت معنويات الناس تلامس الأرض، لكن لك أن تتخيّل كيف تغيّر الخط البياني لمعنويات الناس عند حادثة البارجة». يضيف: «حجم الدمار والتهجير وحشد الأساطيل جوّاً وبحراً والضغط النفسي بفعل الحرب الإعلامية النفسيّة و معاناة النازحين وتقطيع الطرقات والخوف من المجهول لدى الناس، كل ذلك كشفته هذه اللحظة». برأي قازان فإن عبارة «انظروا إليها تحترق» كانت الستارة التي أزاحت هذا المشهد الرَّحِب للقدرة على الانتصار والأمل بالصمود وكانت بمثابة الحشوة الدافعة لاستمرار الزخّات التي تتالت لاحقاً سواء بالصواريخ أو بالتصدي على الأرض». لا تزال تلك اللحظة حاضرة بقوة في ذاكرة الإعلامي الشاب، وهي شكّلت حينها «أول إختبار فعلي للقدرة وأول برهان ودليل ملموس على القوة التي تمتلكها المقاومة». يقول: «شألتنا (رفعتنا) منيح، وحسّينا حالنا علّينا». كان محمد غريب يقوم بتغطية الحرب لصالح قناة «العالم» الإيرانية من مدينة صور التي شكّلت مركزاً رئيسياً (استراحة صور السياحية) لمندوبي عدد كبير من وسائل الإعلام العربية الغربية. «كان المشهد في حينه ما زال ضبابياً لجهة نتائج هذه الحرب في الأيام الأولى بالرغم من قناعتنا بقدرة المقاومة على الصمود والمواجهة في الميدان». يقول غريب مؤكِّداً «أن مشهد تدمير البارجة زادنا إيماناً حينها بأن الحرب الإسرائيلية على لبنان لن تكون نزهة، وهذا ما ردّده مَن كان حولنا من الصحافيين والمواطنين من أهالي مدينة صور الذين كانت غالبيتهم لم تنزح بعد من المدينة». يضيف: «خرج الناس هاتفين للمقاومة رغم الجراح.. وقتها أخدوا رُوح»!