مع الإطلاق المرتقَب في 19 تموز (يوليو) للموسم الثالث من المسلسل الإسباني La Casa De Papel، يجدر التذكير بأن لاستحواذ شركة الترفيه الأميركية «نتفليكس» على المسلسل الإسباني، الفضل في حصول موسميه الأول والثاني على نسبة ضخمة من المشاهدات، إذ أعلنت بأنه تفوق في مشاهداته على أي مسلسل آخر غير ناطق بالإنكليزية تمّ بثه على المنصة من قبل.

غيّرت نتفلكس اسم المسلسل إلى «المال» money heist. عنوان يوحي بأن المسلسل ليس أكثر من مسلسل آخر من مسلسلات الجريمة والإثارة، يحكي عن قصة أعظم سرقة في التاريخ، يقوم فيها اللصوص بسرقة مصنع طباعة العملات والطوابع في إسبانيا، ليغنموا بعد خمسة أشهر من التخطيط وأحد عشر يوماً من التنفيذ، ثروة تبلغ 2.4 مليار يورو.
على خلاف ذلك، العنوان الإسباني La Casa De Papel الذي يعني «بيت الورق» يقدم معنى أكثر وضوحاً للفكرة وراء العمل، والتي حرص كتّاب النص على أن يأتوا بها على لسان العقل المدبر للعملية، «البروفيسور» حيث يؤكد أكثر من مرة لفريقه بأنهم: «لا يسرقون مال أحد».
جمع «البروفيسور» عصابته. وفي المنزل الذي تواروا فيه عن الأنظار، وقف أمامهم كالمعلم يشرح التفاصيل الدقيقة للعملية، وأنهم في الحقيقة لا يسرقون من أحد. قال لهم إنّ سر نجاح مهمتهم هو الرهائن الذين سيختطفونهم، وضمان سلامتهم هو ودّ الناس الذي سيكسبونه. غير أن البرفيسور الذي تكاد تشك من فرط ذكائه أنه قطع الشعرة الفاصلة بين الدهاء والجنون، لا يستطيع، مثلما على الأغلب، لن يستطيع أحد أن يضبط سلوك كائنات معقدة مثل البشر. فرغم صعوبة المهمة الذين هم في صدد إنجازها، وحجم الجائزة التي سيحصلون عليها، طغت التفاعلات العاطفية المختلفة على التزام الفريق بتعليمات البروفيسور، وشابت خطتهم تقلبات وأخطاء أضافت إلى العمل نكهة درامية وقربته إلى الواقعية التي يسهل أن تنفر منها عادة مسلسلات الجريمة والإثارة.



تجدر الإشارة إلى أن الاشتغال المتقَن على الحبكة الدرامية بين الشخصيات، كان تركيزاً مقصوداً من قبل فريق العمل. إذ قالت واحدة من منتجاته وهي مارتينز لوباتو في تصريح صحافي: «لا نستطيع منافسة الموارد التي تتمتع بها الصناعة الأميركية، لذلك قررنا التركيز على الشخصيات». وتضيف: «بدأنا القصة بأشخاص منبوذين، غير أسوياء، قد يعتبرهم بعضهم قذارات المجتمع وحولناهم إلى شخصيات إيجابية».
ولكن كيف يتحول اللصوص إلى شخصيات إيجابية؟ الإجابة جاءت مرة أخرى على لسان البروفيسور حين قال للمحققة راكيل مريلو التي وقع في حبها، فاشلاً هو الآخر في اختبار المثالية: «قام المصرف المركزي الأوروبي بطبع 171 مليار يورو في 2011، و 185 مليار يورو عام 2012 و145 مليار يورو في عام 2013، هل تعرفين أين ذهب كل المال؟ إلى البنوك.. من المصنع مباشرة إلى الأثرياء، هل قال أحد إن البنك الأوروبي لصّ؟».
عند لحظة ما، فاوض اللصوص من أجل فرصة الظهور في الإعلام، كان بإمكانهم المفاوضة على فك الشرطة للحصار الذي فرضته على المكان، أو على تأمين وسيلة هروب. غير أنهم فاوضوا من أجل الفرصة التي تمكّنهم من تقديم أنفسهم للرأي العام على أنهم أُناس عاديون، ليسوا وحوشاً، ولا قتلة. أناس سحقتهم الحياة ويحتاجون للمزيد من المال، فقرروا أن يقوموا باستعارة آلات طباعة العملة ليطبعوا بها ما يحتاجون. تماماً، مثلما كان والد البروفيسور، الشخص الذي لمعت الفكرة في ذهنه أولاً، يريد أن يقوم بهذه العملية ليوفر المال لعلاج ولده المريض، قبل أن تقتله الشرطة عند باب أحد البنوك، في محاولة سرقة فاشلة.

إذا كان من حق البنوك طباعة أوراق العملة لإنقاذ الاقتصاد، لماذا لا يحق للبشر القيام بالمثل؟

في سياق المصارحة بين البروفيسور وراكيل، يلتقط المتلقي المجادلة التي يقدمها «بيت الورق». إذا كان من حق البنوك المركزية طباعة المزيد من أوراق العملة لإنقاذ الاقتصادات من الانهيار، لماذا لا يحق للبشر القيام بالمثل، لينقذوا حيواتهم من الانهيار. يلوّح البروفيسور بورقة مالية أمام راكيل قائلاً: «ما هذا.. لاشيء.. هذا ورق.. ألا ترين؟». في ظل الهيمنة الهوليوودية على الشاشة الفضية، يصبح التعرف إلى إنتاج مختلف حظوة، فماذا لو كان عملاً متقناً ينافس المنتج الأميركي، بل صرخة لطبقة البوليتار الكادحة في وجه الرأسمالية التي تموضع أدواتها في سبيل حفظ ثروات الأغنياء على حساب عثرات المثقلة ظهورهم بالأعباء المالية. على ذلك، نعقد الأمل كمعجبين أن يحافظ العمل في موسمه الجديد على لونه كمادة فنية هادفة، ولا تتحول كالعديد من الأعمال الأميركية التي بدأت مذهلة وانتهت إلى ضرع بقرة حلوب، يمطه المنتجون ويشوّهونه لحلب آخر دولار ممكن.

* كاتب من البحرين