استقرّ رسام الكاريكاتور والفنان المصري محمد أنديل في العاصمة الفرنسية قبل أيامٍ قليلة بعد أشهر على إقامته في الريف الفرنسي، تلتها أشهر أخرى في بيروت. هذه التنقلات أعقبت خروج الفنان المثير للجدل من مصر، مثلما فعل فنانون وشخصيات عامة كثر في الفترة الأخيرة، مع ازدياد التضييق السلطوي المصري على الأصوات المعارضة أو حتى تلك غير التماهية تماماً مع الخطاب الرسمي. إلى جانب رسوماته، يقدم أنديل منذ نحو سنتين برنامج «أخ كبير» (إنتاج موقع «مدى مصر»)، وقد أطلّ أمس في برنامج «هوى الأيام» عبر إذاعة «مونتي كارلو دولية» في باريس، متحدثاً عن البرنامج والإنتاج الفني والأوساط الثقافية في مصر، بالإضافة إلى تحليل الشخصية التي يقدمها في «أخ كبير» بعدما جذبت عدداً كبير من المشاهدين.

في البرنامج الذي تقدمه الإعلامية اللبنانية ريتا خوري، عبّر أنديل عن تحفظه على التعاطي مع قضايا الحريات، بسبب ما سمّاه «بيزنس العمل السياسي» أو «بيزنس النشطاء» الذي عانى منه شخصياً. وقال إنّ في أوساط معينة، هناك محاولات للتحكم في صورة الفنان وتعليبه، ما يجعله «كليشيهاً» ثابتاً (مثل استدعائه المتكرر للتحدث عن حرية الرأي والتعبير حصراً) في الوقت الذي يرى فيه أن الفن يقوم في أساسه على عدم الاتساق، مؤكداً أنه يحاول دائماً تجنب التحول إلى كليشيه.
وبالحديث عن الكليشيهات، شرح أنديل أن الأشخاص يميلون إليها عادةً، كونها مريحة، تجعلهم يعلمون أين يقفون وما هو المتوقع منهم، فيما لو عبّر الانسان عن رأيه بصدقٍ كافٍ، سيجد الناس أنفسهم غير قادرين على التفاعل معه. وقد عانى أنديل من مواقف عدة شبيهة، سيما عام 2013، حين كان ينتقد حكم الإخوان ويتعرض لرد فعل عنيف من مناصريهم، قبل أن يصبح هذا الرد العنيف من أعدائهم. حين بدأت «السكاكين تُسنّ» ضد الإخوان، عبّر أنديل عن رأي مفاده بأن ذلك لم يكن حلّاً. يقول الفنان المصري إنه يوجد بين المثقفين حالةٌ من العنف الممارس ضد أي رأي لا يتماهى كلياً مع الدوغما السائدة بينهم. هذه التجربة، التي تتكرر في مواقف عدة، لا سيما على السوشال ميديا، جعلت أنديل يكتشف أنه في الواقع «ما يجمع الناس أكثر مما يفرقهم»، حيث تعبر الغالبية، بالطريقة نفسها، عن رفضها لما يمسّ قناعاتها وما هي مؤمنة به.
في ما يتعلق بشخصية «أخ كبير» في البرنامج الذي يحمل الاسم نفسه، قال أنديل إنه عمد في بناء الشخصية إلى كسر الفكرة النمطية عن التلفزيون، أي فكرة التظاهر باحترام المشاهد. أوضح أننا اعتدنا على أنّ هذا التلفزيون يخاطب المشاهد بـ«لغة نظيفة»، في حين أنه يعتمد في جزء كبير من عمله على التلاعب، وما يُنجح برامج معينة هو نوع من أنواع القبح. فإن أكثر الأعمال التلفزيونية الناجحة مثلاً هي برامج المقالب والحوارات التي تنتهي بضرب الضيوف بعضهم على سبيل المثال. ورأى أنديل أن الناس يبحثون عن لحظة قبح في العمل الإعلامي. ومع ذلك، يجري التظاهر بأن ما يقدم هو شيء «متحضر». لذلك، أكّد أنه أراد أن تنعكس «شهوة القبح» هذه في «أخ كبير» الذي جاء في لحظة جنون معينة كانت موجودة في مصر. أرادت هذه الشخصية القول إن هذا «التأدب» والتمسك بـ«اللغة النظيفة» لا يعبّر بالضرورة عن أفكار نظيفة، وأنه من الواضح أنّ لدى الناس انجذاباً كبيراً للقبح «لأنه يطمئننا تجاه شيء ما لسنا مرتاحين معه». واعتبر أنديل أن الدليل على ذلك هو الاختيارات السياسية للناس في أماكن عدة من العالم في الوقت الراهن. اختيارات تعكس هذه الشهوة تجاه القبح، فيما تستجيب شخصية «أخ كبير» لهذا القبح، بدءاً من التحية التي يهين بها الجمهور في بداية كل حلقة. تحاكي هذه الشخصية ـ وفق أنديل ـ الخطاب الاعلامي المتعالي أو الفاشي في مصر.
وشدد أنديل على أنه ملتزم بعدم رهن برامجه («راضيو كفر الشيخ الحبيبة» سابقاً و«أخ كبير» حالياً) إلى سوق الترفيه المصرية، لأن ذلك سيجعله يقدم تنازلات على مستوى المحتوى. لذلك، هو لا يجد مشكلة في احتمال حصر جمهور ما يقدمه في فئات معينة، عوضاً عن الشعبية الكبيرة التي قد ينالها إذا ما حوّل المحتوى إلى كليشيه.
في مسألة الرقابة، أكّد أنديل أن اختياراته كانت منذ البداية تتأثر بالمزاج العام. لكن الرقابة التي يمارسها على أعماله والتي تزعجه، ليست رقابة السلطة بل الرقابة الشعبية. وأوضح أنّ الدولة قد تلجأ إلى «تفاهمات» مع النقد، أو تؤجل المواجهة معه، غير أن الجمهور لا يؤجل المواجهة حين يتلقى ما يمسّ معتقداته. من هنا، رأى أن المشكلة الحقيقية في مصر، هو هذا النوع من العنف الذي يمارسه الشعب، مما سبّب برأيه هذا التردي في الوضع السياسي، لكونه الحاضن الشعبي للأفكار والفلسفات التي يقوم عليها منطق الحكم. على سبيل المثال، حين تمرّ في حلقة من «أخ كبير» فكرة تتصادم مع الدين، يأتي رد فعل الناس مرعباً لشدة عنفه. فـ «حين يشعر الناس أنك تنتقد شيئاً يؤمنون به بعمق أو بهوية معينة، تظهر رغبتهم الحميمة بالقمع». ولفت إلى أن هذا الأمر ليس محصوراً بالمتدينين، بل نجده عند المثقفين ضد بعضهم أيضاً: «الناس بتدوّر على اسباب تخلي من حقها تمنع حد من إنه يتكلم، فتقول إن كلامه مش موضوعي أو مش منطقي... عايزين يكون في إيديهم نفس السلاح». أما عن وجوده الحالي في فرنسا، فقال إن المصريين والعرب عموماً، استغرقوا كثيراً في مشاكلهم الداخلية وفي كراهية الذات، وغفلوا في أحيان كثيرة عن النظام الاقتصادي العالمي الذي ينتج هذا النوع من الأنظمة السياسية الموجودة. واعتبر أن وجوده في أوروبا يأتي لتوسيع المناقشة، فلا فائدة من أن نظلّ ننتقد الفاشية العسكرية على سبيل المثال، ونغفل جوانب أخرى من المشكلة.