في أحد أظرف المشاهد الكوميدية لموسم يتّسم بـ«ثقل الظل» العام، يلعب الكوميديان الموهوب محمد ثروت في مسلسل «سوبر ميرو» شخصية «شرير مطلق»، لكن على الطريقة الشعبية: لقد حول اسمه من «هيثم» إلى «الفاجر»، مثل «الجوكر» في سلسلة «باتمان»، وهو يدخن النارجيلة والسجائر معاً أمام ابنه الصغير، منزعجاً من قيام الابن برسم زهور وأشجار، ويقول له مستنكراً «أوعى تكون بتحب البلد»، ويحرضه على رسم الخراب والدمار. وعندما تتدخل الأم البريئة، يصرخ فيها «ليه عايزاني أبقى شريف عفيف... حرام عليكي يا شيخة». وعندما تنصرف، يردد: «الله يخرب بيت طيبتك... ما هي الطيبة دي اللي جايبانا ورا!».

تبدو شخصيات الكثير من مسلسلات الموسم الرمضاني أشبه بشخصية «الفاجر» لكن بدون الحس الفلسفي الساخر الذي يبثه محمد ثروت فيها. وأكثر ما لفت انتباه المتابعين في الدراما المصرية هذا العام هو كم «الشر» الذي تتضمنه المسلسلات. لا يخلو عمل تقريباً ـ إذا استثنينا قليلاً من الأعمال الكوميدية ـــ من جرائم قتل بشعة ومكائد «شيطانية»، بل أبطال يتسمون بالعنف والقدرة على القتل بيدين عاريتين وضمير مرتاح.
لتفسير هذه الظاهرة المستمرة منذ سنوات، والمستفحلة هذا العام، لا يكفي أن نقول إنّ المنافسة الشرسة على جذب المشاهدين تدفع المنتجين وصناع الأعمال للمبالغة، أو أن هذا «تريند» عالمي ناتج عن الرغبة في تحريك مشاعر وأحاسيس مشاهدين لم يعد يؤثر فيهم شيء مع فيضان الصور والأصوات الذي يغرقون فيه.
العنف الذي يسود الدراما المصرية يخلو من «الفانتازي» الذي نراه في «لعبة العروش» مثلاً، ويغلب عليه العنف «الواقعي» المرتبط بمشاكل اجتماعية أو عائلية، كما أنه عنف «قبيح» إذا جاز التعبير. عنف يخدش الحواس عوضاً عن مداعبة العقل، ويُكرّس لتقوية تأثيره كل العناصر الفنية من تصوير ومونتاج وموسيقى. وبما أن «الرقابة» المشددة المفروضة على الدراما هذا العام تركز على «اللغة» وعلى الجنس والعري، فإنّ صناع المسلسلات لا يجدون منفساً للتعبير ولجذب المشاهدين سوى الأجساد المفتولة العضلات، وهي تتفتح بالرصاص والضرب وتفيض من مسامها الدماء، وكذلك النفوس المخضبة بالشر المطلق أو التي تدفعها الظروف لمواجهة الشر بالشر والبادي أظلم.
كثير من مسلسلات هذا العام ينطبق عليها عنوان فيلم «جعلوني مجرماً» الذي لعب فيه فريد شوقي النموذج الأمثل والأشهر للشخص الذي يدفعه المجتمع دفعاً إلى الإجرام. وأبرز هذه المسلسلات «زلزال» و«أبو جبل» و«لمس اكتاف» و«هوجان».
وأبطال بعض المسلسلات الأخرى يقفون في منطقة ملتبسة. لا يستطيع المشاهد أن يعرف ـ برغم مرور نصف الحلقات ـ ما إذا كان هؤلاء الأبطال أشراراً أم أخياراً. من هذه الشخصيات أحمد السقا في «ولد الغلابة»، هاني سلامة في «قمر هادي»، ومحمد رجب في «علامة استفهام»، ومحمد ممدوح في «قابيل». أما الأغرب بين كل الشخصيات والمسلسلات، فهي شخصية غادة عبد الرازق، أو «مرة السيد غراب» في مسلسل «حدوتة مرة»، فهي التجسيد المآساوي، ثقيل الظل والمعنى لشخصية «الفاجر»: شريرة شيطانية بلا مبرر أو هدف، أو بمعنى أدق بسبب مبررات وأهداف لا يصدقها عقل طفل.
المسألة على ما يبدو أكبر من موضوع التنافس على جذب المشاهدين والمعلنين. الأمر يبدو كما لو أنّ هناك عقلاً جمعياً مشغولاً بالخروج على القانون وبالمناخ الذي يدفع الناس لذلك، وبالحدود الهشة التي تاهت بين الخير والشر.
الظاهرة الثانية مرتبطة بالأولى، وهي المبالغة المفرطة في التعبير ومحاولة التأثير. أكثر مجال يظهر فيه هذا النوع من الإفراط هو الإعلانات، خاصة تلك التي تستجدي الدموع والآهات من أجل جذب التبرعات، أو إعلانات الملابس الداخلية التي تتحول إلى كرنفال من التهريج والرقص الصاخب، وبالطبع إعلانات شركات الاتصالات التي يتنافس فيها عمرو دياب ومحمد رمضان ونجم العضلات الأميركي جان كلود فان دام وتامر حسني ونانسي عجرم وكريم عبد العزيز. ولك أن تتخيل كمّ الملايين التي حصل عليها هؤلاء مقابل الإعلان عن خدمات «هوائية» يدفع مقابلها المصريون مليارات من دخلهم القليل سنوياً!
من ظواهر رمضان هذا العام أيضاً كمّ السرقات الفنية لقصص وأفكار وأساليب فنية. لعل النموذج الأكثر وضوحاً لها هو مسلسل «زي الشمس» المأخوذ عن المسلسل الإيطالي «شقيقتان» (إخراج سينثيا توريني ـ عرض عام 2017 على قناة «راي» ـ هو عبارة عن ست حلقات مدة كل حلقة 100 دقيقة). «زي الشمس» ليس مجرد «استعارة» قالب أو سيناريو، كما جرت «الموضة» في صناعة الـ Soap opera العالمية، حيث تقوم بعض الشركات في بلد ما باستعارة مسلسل بلد آخر لإعادة إنتاجه في بيئة ولغة مختلفتين، مثلما رأينا في مسلسل «غراند أوتيل» قبل أعوام.

«الرقابة» المفروضة على الدراما تتعلق بالجنس والعري، لذا التجأ صنّاع المسلسلات إلى مشاهد الضرب والرصاص


في الحقيقة «استعارة القالب» format هذه لها أصول، وهي تحدث مع قوالب المسلسلات المفتوحة التي يطلق عليها مصطلح الـ «سوب أوبرا» التي تستمر عادة لسنوات، ومن ثم يصبح هناك فرصة لاستعارة الخطوط والشخصيات الرئيسية ووضعها في عالم جديد. «زي الشمس» ليس مجرد اقتباس أو سطو عادي من ذاك الذي دأبت عليه السينما والدراما المصرية من دون خشية ولا حياء. هذه فضيحة وجريمة متكاملة الأركان، شارك فيها للأسف بعض «الفنانين» الكبار اسماً في عالم السيناريو والإخراج، وحصلوا على ملايين الجنيهات عن عمل أقل ما يقال عنه إنه مجرد ترجمة حوار من الإيطالية إلى العربية. وبما أنّهم حتى لا يجيدون الإيطالية، فلا بد أن من قام بهذا الجهد مترجمون صغار.
الشيء الوحيد الذي أضافه صناع «زي الشمس» هو «الملل». فقد مطوا ساعات المسلسل من عشر ساعات إلى عشرين، عن طريق مونتاج أبطأ، وثرثرة أكثر، وبعض مشاهد لتناول الطعام، وشخصية طبيب روحاني، عبارة عن منوم مغناطيسي، مهمته إعادة سرد الأحداث والمعلومات التي نعرفها بالفعل.
المدهش هو عدد الأسماء الموجودة في المسلسل ككتاب سيناريو، تحت إشراف مريم نعوم التي دشنت اسمها ككاتبة عبر أفلام ومسلسلات جيدة، ولكنها لجأت إلى «بيزنس» ورش السيناريو في السنوات الأخيرة، وأضافت إليه «الترجمة» الحرفية هذا العام. ولعله من حسن حظ المخرجة كاملة أبو ذكرى أنّها انسحبت من العمل أثناء التصوير بسبب خلافات مع الإنتاج وبطلة العمل دينا الشربيني، ليحل محلها المخرج سامح عبد العزيز، وإن كان من المؤسف أن الصراع بينهما على «ملكية» المسلسل استمرت أثناء عرضه، مع أن إخراج «زي الشمس» هو أيضاً مجرد «ترجمة» بصرية للعمل الإيطالي.

* «سوبر ميرو»: 23:00 بتوقيت بيروت على TeN، و19:40 على «النهار»، و22:00 على «art حكايات»
* «لمس اكتاف»: 00:00 على cbc و«أبو ظبي»
* «هوجان»: 23:30 على «الحياة»، و19:00 على «أبو ظبي»
*«ولد الغلابة»: 21:00 على «mbc مصر»
*«زلزال»: 22:30 على dmc، و18:00 على «dmc دراما»، و22:30 على mbc1، و1:00 على «mbc العراق»
*«أبو جبل»: 22:30 على ON E، و00:00 على «ON دراما»، و22:00 على «دبي»، و23:00 على «osn يا هلا الأولى»
*«حدوتة مرّة»: 23:00 على «النهار»
*«قمر هادي»: 00:00 على ON
*«علامة استفهام»: 2:30 على «الحياة»، و1:30 على cbc، و00:00 على dmc
*«قابيل»: 23:00 على «mbc مصر»
* «زي الشمس»: 23:00 على «mbc مصر»