القاهرة | في أحد مشاهد الحلقة 22 من مسلسل «أهو دا اللي صار» للمخرج السوري حاتم علي، الذي يعرض حالياً على ONE المصرية و mbc، يدور الحوار «المدرسي» التالي بين بطلي العمل، أحمد داود وروبي، وبعض التلاميذ. يشرح يوسف (أحمد داود) حارس القصر الأثري الذي يقع في حب صحافية تجري تحقيقاً حول القصر، أن التاريخ يحتاج إلى ثلاثة شروط: زمن وشخصيات ومكان تدور فيه الأحداث، وقبل ذلك كله يحتاج إلى الحب، فتسأله روبي التي تلعب دور حبيبته سلمى متهكّمةً: يعني التاريخ هو الحب؟ فيجيبها بنظرة وابتسامة: لا، لكن الحب هو الذي يصنع التاريخ.

ربما ترى أن الحرب هي التي تصنع التاريخ، أو أن الحب هو وسيلة الأفراد لمقاومة وحشية التاريخ. لكن عند عبد الرحيم كمال، مؤلف «أهو دا اللي صار»، كما في بعض أعماله السابقة، مثل «الخواجة عبد القادر» و«شيخ العرب همام»، يتوارى الوجه القبيح للحرب والموت والكراهية، تاركاً للحب تصدر المشهد. هنا أيضاً، يعيد عبد الرحيم كمال إنتاج التاريخ الاجتماعي والسياسي لمصر، من خلال العشاق المعذبين، والشعراء المستوحدين، والمتصوفين الهائمين على وجوههم. الزمن في المسلسل يمتدّ على قرن كامل، من 1918 إلى الآن. أما المكان الذي تدور فيه الأحداث، فهو الاسكندرية، وبشكل خاص القصر الأثري الذي عاشت فيه أسرة الباشا نوار الأرستقراطية وتوارثته أجيال من طبقات مختلفة. والرابط الرئيس هو قصة حب قديمة تبدأ بالطبيب الشاب يوسف، الذي يقع في حب الخادمة الصعيدية نادرة، ويؤدي دوريهما أحمد داود وروبي أيضاً، لتنتهي بقصة حب أخرى بين سلمى، حفيدة نادرة، ويوسف آخر ينتمي إلى الطبقة الوسطى المعاصرة، يتبين أنه حفيد لعائلة نوار. وحول قصة الحب هذه الممتدة عبر الزمان والمكان والشخصيات، تدور قصص حب أخرى، مثل قصة الكاتب والممثل علي بحر (محمد فراج) الذي أحب نادرة من طرف واحد، أو الحياة العاطفية للراقصة أصداف (أروى جودة)، أو الخواجة جوني منصور، الذي يعشق ويتزوج إحدى راقصات ملهى أصداف، وشذرات من الأحداث السياسية الكبرى، وبعض مظاهر الحياة الاجتماعية والفنية، وشخصيات عامة، مثل سيد درويش وبيرم التونسي. تتقاطع الأحداث بين الماضي والحاضر بشكل متواز ولكن دائري، تكتمل فيه خاتمة القصة القديمة بأحداث القصة الحديثة.
الصراع على القصر ليس فقط تجسيداً للصراع على السلطة، لكنه صراع على امتلاك التاريخ. في أحد المشاهد، يقول حفيد الراقصة أصداف من زوجها الفاسد الواشي بأنه يرغب في شراء القصر ليعيد كتابة الحكاية، وينسب حكايات القصر لعائلته. ونادرة هي مصر التي تليق بأمير نبيل، لكنها تقع فريسة للأوغاد من خلال حكاية درامية نمطية عن الحب الممنوع بين ابن الأثرياء الرقيق الذي تسجنه أمه في قصر التقاليد، وابنة الفلاحين الفقراء، البطلة «الشهيدة» التي تتزوج من «جلف» لا يستحقها، يسجنها ويغتصبها، قبل أن ينتصر الحب في النهاية، ويستمر كشعاع ضوء وأمل عبر مسارات من الظلام والفوضى والشر.
كان يفترض أن يعرض «أهو دا اللي صار» في رمضان الماضي، لكن تأجّل عرضه ليعرض قبل أسابيع من حلول رمضان جديد. وربما يكون هذا التأجيل من حسن حظ المسلسل، لأنّ الأعمال المتزاحمة وطبيعة المشاهدة خلال هذا الشهر تحولان دون استمتاع المشاهد بالعمل أو تلقيه بإيقاع وجو مناسبين. وهو أمر أكده النجاح الكبير الذي حققه المسلسل أخيراً.
لقد استطاع عبد الرحيم كمال والمخرج حاتم علي وفريق الممثلين الجيدين، على رأسهم روبي وأروى جودة ومحمد فراج وسوسن بدر، أن يصوغوا ميلودراما تلفزيونية جذابة ومثيرة للشجن، تخاطب مشاهدين متشوقين للعواطف، ومحمّلين بالحنين إلى الماضي، وإلى جمل من نوعية أن «الحب هو الذي يصنع التاريخ».
المشكلة الوحيدة في هذا العمل الجميل هي أن هذه العبارة، والكثير من العبارات المماثلة، تقال بشكل مباشر وتلقيني وأجوف أحياناً، وهذا العيب يطال كثيراً من الحوارات الطويلة بين الشخصيات التي تتحول إلى حوار كارتوني، لا درامي. وهكذا، بدلاً من أن يظل المعنى إيحاءً شعرياً، يقال عبر صورة بصرية ودراما قوية، فهو يقال على طريقة الإذاعة المدرسية. كأن صنّاع العمل لم يسمعوا بأن الثرثرة هي عدو الفن، وعدوّ الحب الأول.

* «أهو دا اللي صار»: الحلقة الأخيرة غداً الخميس 20:00 بتوقيت بيروت على ON E المصرية، ومن الأحد حتى الخميس 21:00 على mbc1