قد لا تكون صورة «ثواني» (كتابة كلوديا مرشليان، وإخراج سمير حبشي، وإنتاج شركة «إيغل فيلمز» ــ lbci) جذّابة مقارنة بأعمال درامية أخرى تنجز بتقنيات عالية (كمسلسل «ما فيي» لكلوديا مرشليان ورشا شربتجي الذي ينافسه على mtv)، غير أنّ عوامل أخرى هنا تدفع المرء إلى المشاهدة. سمير حبشي، شريك كلوديا في مروحة واسعة من المسلسلات، ناجح كالعادة في إدارة الممثلين وضبط إيقاعهم وفي إظهار جمال الديكورات والكادرات من خلال طريقته في التصوير وتقطيع المشاهد والاهتمام بأدق التفاصيل (كالفرق في لون الجلد على يد سائق التاكسي بسبب التعرّض للشمس طوال اليوم). صحيح أنّ العمل سيرافقنا على مدى ستين حلقة عُرضت منها 32 حتى كتابة هذه السطور، إلا أنّ التطويل والملل ليسا آفّتَيْن يعاني منهما أبداً. بعد حادث سير مروّع، تتغيّر حياة أبطال «ثواني» في غضون لحظات، من الممرّضة «هنادي» (ريتا حايك) وزوجها «رائد» (عمّار شلق)، إلى «منى» (نهلا داوود) وزوجها رجل الأعمال «سهيل» (فادي ابراهيم) وابنتهما «لارا» (ستيفاني عطالله)، وصولاً إلى المهندس «سامي» (رودريغ سليمان) وإبنه «باسم» (حسن عقيل) والشاب «داني» (نيكولا مزهر) وآخرين. تصدم «لارا» التي تقود سيّارتها تحت تأثير الكحول «باسم» المتوقّف إلى جانب الطريق فتصيبه بالشلل، فيما تفقد أمّها الموجودة إلى جانبها في المركبة القدرة على الحركة وتُصدم نفسياً. الأم كانت تعيد ابنتها فجراً من سهرتها مع حبيبها المتزوّج الذي يكبرها سنّاً «أنور» (طوني عاد ــ ينتحر لاحقاً)، في سياق محاولاتها المتكرّرة لإعادة الصبية الطائشة إلى رشدها من دون علم والدها الثري والنافذ. سيرمي الأخير بثقله من أجل التلاعب بالوقائع وإقناع القوى الأمنية بأنّ الوالدة كانت خلف المقود، ليدخل في مواجهة مع والد الشاب المصاب الذي يعرف الحقيقة. في خضم هذه المعمعة، يطلب «سهيل» من «هنادي» الانتقال للعيش في الفيلا للاهتمام بزوجته المريضة التي لا تتجاوب إلا معها. ستتصاعد الأحداث بسرعة، لندرك أنّ المرأة المعتلة اكتشفت أنّ الممرضة هي ابنتها من زوجها الأوّل، التي أقنعها «سهيل» قبل زواجه منها بأنّه لم يستطع إيجادها، بينما ظنّ هو أنّه نجح في إرسالها للعيش مع عائلة خارج لبنان فيما الوالد توفي. عندها، سيحاول «سهيل» إلباس «هنادي» جريمة لم ترتكبها، وهي قتل رضيعة زوجها «رائد» من ضرّتها وجارتها القاصر، مستغلّاً جشع الزوج وحقارته وغيرته، علماً بأنّ الطفلة «أنجلينا» لقيت حتفها على يد والدتها المريضة نفسياً «دعاء» (تانيا فخري) بعدما أذابت كمية كبيرة من المهدئات في حليبها لمنعها من البكاء و«إراحتها» ومساعدتها على النوم، قبل أن يعمد الأب إلى دفنها في حوض الحبق.

تشكّل معرفة «منى» بحقيقة ابنتها الكبرى (لديها صورة سيئة عن والدتها) نقطة تحوّل في مسار الأحداث التي ستأخذ في التصاعد فيما تتشابك الخطوط الدرامية. لكن هنا تكمن مشكلة، إذ بدت الحبكة ضعيفة وغير مقنعة، تسودها المصادفات الساذجة وغير المبرّرة (في تلك اللحظة) المشابهة لتركيبة المسلسلات المكسيكية على سبيل المثال. لغاية الآن، لا يزال المشاهد يجهل الأسباب التي أدّت إلى إبرام «منى» و«سهيل» لهذا الاتفاق منذ البداية وتخلّي الأم عن صغيرتها التي تسكن الآن مع خالتها «بدر» (ختام اللحام) ووالدها «سبع» (علي الزين) الذي قتله «رائد» بطلب من «سهيل» في سياق خطّة الأخير. جلّ ما نعرفه أنّ الـ«بزنس مان» وقع ضحية المحامي راعي الاتفاق الذي صار في عداد الموتى، ليكون القدر والصدفة وحدهما المحرّكان الرئيسيان للأحداث. لاحقاً، وفيما يحاول «سهيل» إكمال مسرحيته مع «رائد»، ستصرّ «منى» على التعرّف إلى ابنتها «هنادي» والتواصل مع شقيقتها «بدر» التي يفترض أنّها التقتها في حلقة أمس الأربعاء، في تحوّل لا شكّ أنّه سيشكّل الحجر الأساس في انعطاف مسار الحكاية.
مكمن الخلل هذا يقابله أداء متمكّن لغالبية الأبطال، على رأسهم عمّار شلق الذي أثبت مجدداً أنّه ممثّل من العيار الثقيل، قادر على نقل الأحاسيس والانفعالات إلى الناس بصدق شديد، مهتمّاً بأدق التفاصيل ومتماهياً مع الكراكتير إلى أبعد الحدود: المظهر الخارجي، وتعابير الوجه، وحركة الجسد، وطريقة اللفظ…

كتابة كلوديا مرشليان وإخراج سمير حبشي وإنتاج «إيغل فيلمز»


بحرفية عالية، لبس عمّار جلباب «رائد»، سائق التاكسي المفلس شبه المُعدم والإتكالي، المستعدّ لاستغلال أي ظرف أو أي شخص مهما كان عزيزاً. ريتا حايك متمكنة في دور «هنادي». هذه المرأة التائهة بين الخيبة والضعف والانكسار وضيق الحال من جهة، والرغبة في التمرّد وتحسين الأوضاع وعيش قصة حب مع رجل (سامي ـــ رودريغ سليمان) تختبر معه مشاعر لم تألفها من قبل من جهة أخرى. حالها كحال كثيرات في بلادنا. قد يقول البعض إنّ الدور بسيط وخالٍ من التركيب، وهذا صحيح. إلا أنّ نجاح الممثلة اللبنانية فيه نابع من قدرتها على نقل الحقيقة عارية من دون الحاجة إلى الافتعال، فيلمس المتابع وتشعره بما يدور في رأس وقلب هذه الأم الشابة التي قسا عليها الزمن في ظلّ إصرارها على تحدّي العادات والتقاليد والأعراف وقيود المجتمع التي تكبّلها تحت سقف «الحرام والعيب والشرف»، من دون أنّ ننسى تطرّق العمل عموماً إلى مواضيع ملحّة في المجتمعات العربية عموماً، كالاغتصاب الزوجي، وزواج القاصرات...
نهلا داوود لافتة باشتغالها على حركة جسمها ولغة العيون. طوال عشرين حلقة، تمكّنت من التواصل معنا عبر هذين العاملين فقط (خصوصاً في المشهد الذي تتبوّل فيه لا إرادياً في سريرها، أو حين يراها ابنها العائد من الكويت عاجزة للمرّة الأولى)، ثم بدأت تتلفّظ ببعض الكلمات بصعوبة بالغة قبل أن يتحسّن الوضع تدريجاً. أما فادي إبراهيم، فلم يقدّم جديداً كونه أدّى مراراً شخصيات متسلّطة وغنيّة في حقبات زمنية مختلفة. بين الوجوه الجديدة، لا بد من الإشادة بستيفاني عطالله ولعبها لدور الصبية الثرية المدلّلة واللامسؤولة والراغبة دائماً في جذب انتباه الرجال وتعاني من اضطرابات نفسية تؤدي إلى إصابتها بنوبات هلع، فضلاً عن تانيا فخري التي تقوم بمهمّة لا تُحسد عليها في شخصية «دعاء» القاصر الغارقة في مشاكل نفسية بالغة، وتزوّجت «رائد» ظنّاً منها بأنّه طوق النجاة من حياة الميتم.

* «ثواني»: من الأحد إلى الخميس ــ بعد نشرة الأخبار المسائية على lbci