لم يحقق أي برنامج تلفزيوني عربي حتى اليوم شهرة وجماهيرية كتلك التي حققها «من سيربح المليون». برنامج المسابقات الذي قدمّه جورج قرداحي منذ العام 2000 شكّل نقلة نوعية للإعلامي اللبناني القادم من عالم الراديو، وهو صاحب مسيرة إذاعية امتدت لأكثر من عشرين عاماً، عمل فيها مذيعاً ورئيساً للتحرير في «مونت كارلو» الفرنسية، و«إذاعة الشرق» من باريس.

دخل قرداحي في العصر الذهبي للتلفزيون إلى بيوت كل العرب عبر شاشة mbc قادماً من إذاعتها في لندن، محققاً معجزة تلفزيونية، مستفيداً من الكاريزما التي يتمتع بها، والثقافة الواسعة والخبرة الطويلة في الإعلام. وحصل بعد ذلك على لقب أفضل إعلامي في العالم العربي، والأكثر شعبية، وصنّف ضمن أقوى 100 شخصية عربية مؤثرة، قبل أن يخسر صاحب «القوة العاشرة» عمله في الشبكة السعودية بسبب موقفه من الحرب السورية.



بعد انتهاء برنامج «من سيربح المليون» بقي نجم «التحدّي» متأنياً في خطواته التلفزيونية، واستطاع الخروج من قالب برامج المسابقات، ودخل إلى حياة الناس ومشاكلهم الاجتماعية، بدءاً من «افتح قلبك» إلى «المسامح كريم» الذي شكل له نقلة نوعية في سوق الإعلام المصري.
واليوم، يعود قرداحي من بوابة الإعلام المصري من خلال برنامج «الأبواب المغلقة» (كل سبت 23:00) على قناة OnE المصرية، من إنتاج تامر مرسي. يخوض البرنامج في عالم التحريات والجريمة ويقترب من تلفزيون الواقع ويتضمن رسالة توعية إلى المشاهد العربي، كما يقول قرداحي، الذي يقدم البرنامج الجديد ضمن قالب «الديكودراما» في رواية الأحداث، حيث يعتمد على إعادة تمثيل الجريمة درامياً بالاعتماد على الوجوه الشابة.
يغوص الإعلامي البالغ 68 عاماً في العمق، مبتعداً عن أسلوب الإثارة والتشهير ومحافظاً على الخصوصية في أسماء الأشخاص والأماكن، ويستضيف في كل حلقة ثلاثة اختصاصيين لمناقشة الجريمة، الأول خبير أمني وقضائي يتناول التفاصيل الجنائية للجريمة، والثاني طبيب نفسي يشرح الخلفية السيكولوجية للمجرم والضحية، والثالث صحافي شارك في تغطية الجريمة إعلامياً.
هكذا تنتقل كاميرا البرنامج بسلاسة من مسرح الاستوديو، إلى مسرح الجريمة، حيث جرى تصوير مشاهد الحكاية بحرفية عالية، ويظهر قرداحي في لقطات قصيرة، ليكون عين المشاهد على الحدث.



يخرج جورج من باب يفصل بين المسرحين، ويتنقل بين منصة الاستديو والجمهور، يجلس مع ذوي الضحايا ويناقش القضية مع ضيوفه بحيادية وإنسانية بعيداً عن لغة الخطابة والحشو التي باتت سائدة في الإعلام حالياً.
برنامج «الأبواب المغلقة»، الذي يعتبر النسخة العربية من البرنامج العالمي The Doors، حقق خلال أيام قليلة تفاعلاً كبيراً ونسبة مشاهدة عالية في مصر، حيث تناولت الحلقة الأولى جريمة قتل «طالب الهندسة» بعد استدراجه عبر إعلان على أحد مواقع التسوّق على الإنترنت، فيما تناولت الحلقة الثانية جريمة قتل «طالب الرحاب» التي هزت الرأي العام في المحروسة.
وفور عرضه، حصل البرنامج على إشادة واسعة وردود فعل إيجابية من المشاهدين عبر السوشال ميديا، إذ ركز هؤلاء على محتوى ومضمون البرنامج الذي رأوا أنّه «يقدّم فائدة حقيقية لتوعية المجتمع المصري والعربي عموماً».
يحاول جورج قرداحي النأي بنفسه عن موجة الابتذال والهبوط والسطحية التي تضرب الإعلام العربي حالياً، والذي غرق في مستنقع وسائل التواصل الاجتماعي، في ظل أزمة وجودية يعانيها الإعلام المرئي الذي لجأ خلال السنوات الأخيرة إلى الإثارة والجنس ضارباً الأخلاقيات والمواثيق الإعلامية عرض الحائط، من أجل «الترند» و«الرايتينغ»!.