القاهرة | قضت محكمة جنح مصر الجديدة (شرقي القاهرة) أول من أمس السبت، بمعاقبة الشابة اللبنانية منى المذبوح بالسجن ثماني سنوات، بعدما «ثبتت إدانتها بإهانة المصريين والتطاول على الشعب المصري وخدش الحياء العام وازدراء الأديان». كل هذه التهم سببها مقطع مصوّر سجلته المذبوح بنفسها ونشرته على صفحتها الفايسبوكية في نهاية أيار (مايو) الماضي. في هذا الفيديو، روت تعرضها للتحرش اللفظي والجسدي في مصر من المارة وسائقي المركبات. الفيديو الذي نشرته المذبوح للتعبير عن غضبها، احتوى ما اعتبره النائب العام المصري نبيل صادق «إساءة وجهتها إلى رجال ونساء مصر». ثمّ طالب بعض البلاغات أيضاً بإدراج اسمها على قوائم الممنوعين من مغادرة البلاد ومنعها من دخول مصر عقب تنفيذ العقوبة التي تصدر بحقها، ما ترتب عليه إلقاء القبض عليها وتقديمها للمحكمة. ولم يشفع لمنى أن نشرت مقطع فيديو آخر اعتذرت فيه عن انفعالها نتيجة المضايقات التي شهدتها.


تفتح قضية المذبوح ملف التحرش في مصر، سواء بالمصريات أو غيرهن. فالظاهرة تعدت حدود الشارع لتمتد إلى سوق العمل وأماكن التنزه والمواصلات العامة والخاصة والمطاعم، ولم تسلم من ذلك المنتجعات السياحية ولا الموانئ الجوية والبرية والبحرية، حتى صارت جزءاً من الممارسات اليومية، ما دفع الدولة إلى سنّ تشريع 2014 يقضي بتغريم الشخص المتورط في وقائع التحرش الجنسي بمبلغ يصل إلى 50 ألف جنيه مصري (2750$) مع الحبس من ستة أشهر إلى خمسة أعوام. مع ذلك، لا تزال مصر في قائمة الدول الأكثر تحرشاً بالنساء. وبدلاً من مناقشة الظاهرة وتأثيراتها على المجتمع المصري والسياحة التي شهدت ركوداً منذ حادث تفجير الطائرة الروسية في تشرين الأول (أكتوبر) 2015، واجهت السلطات الضحية باتهامات «خدش الحياء وازدراء الأديان والتطاول على الشعب المصري».
«أزمة المذبوح» تكشف عن تفشّي ثقافة «لوم الضحية» وهو سلوك اعتاده المصريون في التعامل مع المتحرش بهن. في أغلب الظن، تظل المرأة متهمة إما بارتداء ملابس «غير لائقة» أو الإتيان بسلوك «خارج»، الشَرك الذي لم يسلم منه حتى المثقفات والكاتبات المصريات في تعاطيهن مع خبر سجن الفتاة اللبنانية. إذ وجّه عدد منهن على مواقع السوشال ميديا اللوم للمذبوح، مشددين على أنها «تستحق العقاب» وإن استدرك بعضهن بأن الحكم قاس ومبالغ فيه! لم تلتفت الجموع الغاضبة إلى حق المتحرش بها (الضحية) في التعبير عن غضبها.
الإعلام المصري، ونظراً لتبعيته للنظام الحاكم، لعب دوراً تحريضياً قبل إصدار الحكم. منذ بث المذبوح لمقطع الفيديو في أيار (مايو) الماضي، شنت الصحف والقنوات المصرية حملة طالبت بمحاكمة الفتاة، فيما ابتلع الإعلام ذاته لسانه نهاية الشهر الماضي حيال تصريحات مستشار ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد الكاتب الإماراتي عبدالخالق عبدالله التي ذكر فيها أن «الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي أصبح متسولاً تحت أقدام الخليج»!
اعتذرت والدتها في برنامج «العاشرة مساء» على محطة «دريم»


بعضهم فسر هذا التحريض بأنّه جاء نتيجة قول منى في الفيديو إياه بأنّ «مصر تستحق ما يفعله بها رئيس البلاد السيسي»، ما يُكسب القضية بعداً سياسياً لا يفصح عنه علانية، فضلاً عن تخوف كثير من العاملين في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان من إساءة استخدام الحكم القضائي، كسابقة يمكن تطبيقها مستقبلاً من قِبل النظام ضد معارضيه السياسيين. أمر يذكّر بما كان يفعله نظام حسني مبارك من توجيه تهم «تشويه سمعة مصر» لعدد من الحقوقيين والصحافيين والسياسيين.
ورغم تحفّظ الكلّ على تصريحات المذبوح الاختزالية والتعميمية والعنصرية، إلا أنّ نداءات لبنانية طالبت عبر السوشال ميديا بتدخل رئيس البلاد لدى السلطات المصرية لإنهاء الملف والعفو عن المذبوح. كذلك، وجّهت والدة المذبوح اعتذاراً إلى المصرييين ضمن مداخلة تلفزيونية في برنامج «العاشرة مساء» على محطة «دريم»، مناشدة بترحيل ابنتها، نظراً إلى أنّها تعاني من اضطرابات عصبية، وسبق أن خضعت لعملية جراحية في الرأس.