مشاهد من السينما المصرية في السبعينيات وصفت بأنها «جريئة» في الملبس والعلاقات الحميمية، مع أشهر ممثلات هذا العصر، من سعاد حسني، الى نجلاء فتحي، وميرفت أمين، وغيرهن... نجمات عشن وحملن عصراً ذهبياً في تلك الفترة، كنّ يظهرن بثياب مفتوحة، وبمايوهات الصيف، ويجسّدن أدوار العشق والقبلات في الفراش، مع الحبيب... فما الذي تغيّر اليوم لنكون أمام مرحلة ثانية توصف بـ «المحافظة»؟


هل هي التبدلات المجتمعية والسياسية والاقتصادية التي فرضت رقابة معينة على هذه الأعمال، حتى صار مثلاً عناق بين شقيقين ممنوعاً، أو قبلة من ابن على خدّ والدته تدخل فلك المحرمات؟
السينما المصرية بين هاتين المرحلتين «الجريئة» و«المحافظة»، قضية طرحتها حلقة «دنيانا» الأخيرة (bbc) عبر سلسلة حلقات مصوّرة من العاصمة المصرية. ضيفات من مصر، ولبنان، واليمن، وليبيا، حضرن إلى الاستديو، لمناقشة هذا الموضوع. علماً أنّ أغلبهن يعمل في مجال الإنتاج السينمائي وفي التمثيل. النقاش الذي أدارته ندى عبد الصمد، تعدى هوليوود الشرق، ليحطّ في اليمن، مع الممثلة شروق محمد. من خلال هذه الفنانة، تعرّفنا إلى تاريخ هذه السينما ومحاذيرها بحكم العادات والتقاليد. على سبيل المثال، أعادت محمد سرد الضجّة التي أثيرت حولها، عندما جسّدت في أحد الأعمال، دور أم تعانق ابنها الذي دخل ظلماً السجن. الحالة عينها حدثت مع الممثلة والمنتجة الليبية خدوجة صبري، الآتية من بلد محكوم بقيود اجتماعية أكثر تزمتاً. روت صبري كيف قامت القيامة ولم تقعد، عندما جسّدت دور أم عانقها ابنها في عرسه... فهل وصلت رياح الانغلاق التي سيطرت على السينما اليمنية والليبية، إلى الجارة المصرية؟ هل السبب اجتماعي/ سياسي أم اقتصادي كما هو متداول؟


خصصت «دنيانا» حلقة للحديث عن التحوّل الكبير الذي طرأ على السينما المصرية

في النقاش الدائر في الحلقة المذكورة، تبيّن أن السبب الأساسي لتغيّر وجه السينما المصرية، هو سوق الإنتاج، وتحكّم المنتجين بهذه الأعمال، لا سيّما مع تصدير السينما المصرية، الى خارج الحدود، وتحديداً إلى دول الخليج. المخرجة والأكاديمية عرب لطفي، كشفت أن مرحلة «السينما المحافظة» في مصر، بدأت في منتصف الثمانينيات، مع دخول «شروط إنتاجية»، من خارج الأراضي المصرية. انطلاقاً من هذه اللحظة، بدأ تدهور هذه السينما بحسب لطفي. ونفت الأكاديمية اللبنانية أن يكون سبب هذا التراجع اجتماعياً، بل رأت أنّه متعلق بهذه الذهنيات الإنتاجية، وسيطرتها على السوق وفرض شروطها عليها. حتى أنّها ذهبت أبعد من ذلك، حين وصفت موجة ارتداء الممثلات للحجاب، بأن لا علاقة له بالدين والمجتمع، بل كان ضمن «دعاية» قامت بها هذه الشركات للإيحاء بأن الاتجاه الذي تقوم به، أضحى واقعاً، ويتناغم مع شروطها المفروضة على الأعمال السينمائية.
من جهتها، أعادت المخرجة المصرية هالة جلال التصويب بأنّ ما تصنّفه «البوابات الأخلاقية» بأنّه «سينما جريئة» هو فن قائم على رسالة إنسانية واجتماعية. وأعادت التذكير بأن أهم كلاسيكيات الأدب التي تحوّلت الى الشاشة الكبيرة، كان هدفها الإضاءة من زاوية إنسانية على مراحل ضعف الإنسان، ولا دخل لعامل الأخلاق فيها. وهنا، عرّجت لطفي على فيلم «بزناس» (1992) للسينمائي التونسي النوري بوزيد، الذي أثار ضجة عارمة، إذ تناول قصة شاب يعمل في «بيع الهوى» لكي يعتاش، وقد أثار الشريط ضجة عارمة في الأوساط العربية.
الحلقة التي أضاءت أيضاً على مستقبل السينما في العصر الرقمي، وموجة التطبيقات الإلكترونية، وإمكانية مشاهدة أي فيلم في أي وقت ومكان، استطاعت ملامسة واقع السينما المصرية اليوم، وتصويب نقاش، لطالما كان ضبابياً، واعتُقد أنه مرتبط حصراً بالواقع الاجتماعي/ السياسي للمحروسة. حلقة وضعتنا أمام أسباب أخرى تتعلق بسوق الإنتاج الخارجي وشروطه، وانضواء المنتجين المصريين، تلقائياً تحت هذه الموجة، وحتى المزايدة عليها، لتبرز مصطلحات «خدش الحياء»، و«السينما النظيفة» إلى الواجهة، ويطوى العصر الذهبي للسينما المصرية التي لطالما كانت رائدة في العالم العربي.

«دنيانا» كل يوم جمعة ـــ 21:00 بتوقيت بيروت على شبكة «bbc عربي»