بعد انطلاق الشراكة بين «الأخبار» و«لوموند ديبلوماتيك»، يستعيد المدير العام للنشرة العربيّة ورئيس تحريرها، بعض النقاط الأساسيّة التي يقوم عليها الرهان، موجّهاً تحيّة خاصة إلى الراحلين جوزف سماحة وسمير قصير


سمير العيطة
أعلنت «الأخبار» قبل أيّام (13 آب/ أغسطس)، إطلاق شراكتنا «في الأحلام وعلى الورق»، من خلال نشر شهريّة «لوموند ديبلوماتيك» العربيّة في لبنان وسوريا. وهناك فكرة أساسية في كلمتي المرتجلة خلال الحفلة، استسمحكم عذراً بالعودة إليها في هذه العجالة. إن الابتسامات التي أرسلتها يومذاك كانت ساخرة، وكانت قد وجّهت تحديداً إلى واقع وجهود وأشخاص. لقد ابتسمتُ ساخراً من الأقدار... متحدّياً لها... متواطئاً مع أولئك الذين جهدوا لتحقيق أحلامٍ قيل عنها إنّها صعبة المنال... ومتهكّماً في حضرة كلّ أولئك العابسين المدّعين الذين لا همّ لهم سوى تعقيد الأمور وكبح الطموحات.
ابتسمت ساخراً أمام قدر الراحل جوزف سماحة الذي تنطّح لمشروع إصدار صحيفةٍ جريئة الصوت في لبنان، هي «الأخبار»، كي يجمع حوله أقلاماً سئمت المساومات مع رجال المال السياسي، وشركات الإعلانات المهيمنة. حييته بهذه الابتسامة الساخرة، لأنّ الصوت أصبح موجوداً مع غيره من الأصوات، رغم كلّ الصعوبات التي ما زالت تكتنف الطريق، ولأنّ مشروع الشراكة الذي تحدّثنا عنه قد أخذ أخيراً سبيله بعد أربع سنوات من الحلم مع جوزف.
وجّهت أيضاً ابتسامة ساخرة إلى قدر صديقي الآخر الذي رحل: سمير قصير؛ ذلك الذي لم تعُد الصورة النمطية التي يُستخدَم فيها اليوم تعكس ما عرفناه عنه، أنا وأصدقاء آخرون. كنت أعمل في مجالات الهندسة على الخط بين باريس وبيروت ودمشق في التسعينيات، عندما بدأت سلسلة لقاءاتنا الطويلة. كان يصدر «لوموند ديبلوماتيك» مع صحيفة «النهار»، وطلب منّي أن أساعده؛ ثمّ رويداً رويداً حمّلني حمل هذا المولود كاملاً، بعدما قرّر المرحوم جبران تويني إيقاف إصدارها، قائلاً إنّه لا بدّ أن نجعل منه مشروعاً كبيراً للمستقبل. لم تكن لقاءاتنا تغوص في الحقيقة، ليس بالنسبة إلى الشهريّة فقط، ولا حتّى بالنسبة إلى الصحافة، بل في ما يتعلّق بسوريا ولبنان والعرب، وبالمدن والفرص الضائعة. وقبل اغتيال سمير بأشهر، جاءني بكتابٍ له، وسطّر مقدّمته: «حتّى تعود لنا، هنا وهناك، الجمهوريّة وقيمها». هكذا «ورّطني» بالصحافة وبالهمّ في الجمهورية... راسماً عند كلّ خطوة «توريط» جديدة، ابتسامة ساخرة على وجهه.


اصطدمت «لوموند ديبلوماتيك» بمافيا الصحافة في لبنان، وبغياب الجرأة لدى الطبقة السياسيّة

وجّهت أيضاً ابتسامة ساخرة إلى جميع اللبنانيين الذين ما زالوا يقولون (انعداماً للثقة بالنفس)، إنّ السوريين يريدون إعادة ضمّهم من جديد. وقلت إنّ هذا ليس صحيحاً، فلبنان كان دائماً مساحة الحريّة للسوريين (ولكثيرٍ من العرب)، لكنّ اللبنانيين أنفسهم لا يعرفون كيف يصونون حريّاتهم، بما فيها حريّة الصحافة واستقلاليّتها. ولفت المشاركين، وبينهم الوزراء الحاضرون، إلى القانون الذي يمنع في لبنان، منذ 1953، صدور أيّ صحيفةٍ سياسيّةٍ جديدة، ويُجبِر كلّ من يحمل مشروع صحيفة أن يشتري من «السوق» رخصةً قديمة (أو رخصتين حسب الفتوى) بأسعارٍ باهظة. وذكّرت بأنّ كلّ محاولات «لوموند ديبلوماتيك» للانطلاق مستقلّة في لبنان، بإمكاناتٍ محدودة، قد اصطدمت بهذا القانون، وبمافيا الصحافة وغياب الجرأة لدى الطبقة السياسيّة. لم أكن أقول هذا من أجل «لوموند ديبلوماتيك»، بل من أجل كلّ المشاريع الصحافيّة المستقبليّة. راجعوا تاريخكم: كم كان عدد الصحف في هذا البلد قبل خمسين عاماً؟
الابتسامة الساخرة كانت أيضاً لسوريا، بلدي «الأب» (لا «الأم»، وقصّة هذا التحديد طويلة)، لأنّ شعبه يعرف كيف يحمي بلده من الاختراق ومحاولات التفكيك الخارجيّة، لكنّه يبطئ في ترسيخ حريّاته والدفاع عنها، ويحتاج إلى كلّ مساحات الحرية، في لبنان وغيره مهما كانت «مساوئها». الابتسامة الساخرة كانت أيضاً لأنّ الصحف السورية، قد حيّت إطلاق شراكتنا بصيغةٍ أجرأ من أخواتها اللبنانيّة (والكلام نفسه ينطبق على المسؤولين الإعلاميين).
استفدت أيضاً من المناسبة كي أرسل ابتسامات ساخرة لشريكتنا في السعودية، صحيفة «الرياض» التي أظهرت جرأةً أكبر من شقيقتها «الأخبار» المصريّة، في أخذ المقالات المتعلّقة بالمواضيع الاجتماعية والسياسيّة. ورسالة مبتسمة ساخرة أيضاً إلى الرقابة الجزائريّة التي تحول حتّى اليوم دون صدور «لوموند ديبلوماتيك» بالشراكة مع صحيفة «الخبر»، بعد مرور سنتين من توقيع العقد. ووضعت ابتسامة ساخرة عريضة أمام الرقابة التونسية التي قدّمت لنا كلّ شيء... فقط كي نعدل عن فكرة المجيء إلى تونس.
ابتسامات ساخرة أيضاً للقيّمين على صحيفة «الأخبار» البيروتيّة ـــــ خصوصاً الصديقين حسن خليل وخالد صاغيّة ـــــ تحيّةً للجهود المبذولة لتذليل صعاب تجسيد شراكتنا، إضافة إلى كلّ التحديات التي يواجهونها في مشروعهم.


تركيز على العالم العربي