صورة بالأبيض والأسود لرجل ببدلة رسمية يجلس قبالة طاولة، وأمامه مملحة وزهرة. هذه هي الصورة التي أرسلها وليد رعد عن نفسه للصحافة. المؤكد أنّها ليست صورته الشخصية. قد تكون لأحد أقربائه، أو صورة من أرشيف. لا يهم. هو اختارها اليوم كي تكون صورته، والمادة التي تمثله. خيار يعود إلى اعتبارات ثقافية وسياسية واجتماعية، ويخضع لعلاقة الفنان بالجمهور الذي يخاطبه. كذلك هو توجّه اعتمده رعد في مساءلة الصورة وإمكاناتها في إظهار الواقع، أو وجه من الحقيقة، مسائلاً الذاكرة البصريّة، وجامعاً بين الفنّ والتوثيق وكتابة التاريخ في بلد النزاعات الأهليّة الدائمة. وها هي جائزة Hasselblad تتوجّه بين كبار الفن الفوتوغرافي في العالم من هنري كارتييه ــ بروسون (١٩٨٣) إلى صوفي كال (٢٠١٠) التي جاءت تشاركه الاحتفال هذا المساء في بيروت.

بادر رعد إلى إطلاق «أطلس غروب» ونسب تاريخ تأسيسه إلى عام 1975 أو 1984 أو 1999... وأغلق زمنه على 2004، رغم أنه ينتج أعمالاً باسم المجموعة حتى اليوم. في آخر تعريف للمجموعة، يتحدّث عن مشروع مكوّن من صور فوتوغرافية وأشرطة فيديو ومنحوتات توافرت بفضل الحروب اللبنانية. عندما طلب منه تقديم المشروع للمرة الأولى في «معرض صفير ــ زملر» عام 2005، فوجئ بتقلّص مواده في صالة العرض، فقرر عرض الأعمال في مساحة تناسب قياسها الجديد. وفي أحد معارضه الأخيرة، عاد إلى اللعبة نفسها. صمّم مجسماً لصالة عرض وضع داخله الأعمال السابقة التي قدمها تحت اسم المجموعة، لكن بقياس منمنم تحت عنوان «أطلس غروب، 1989ــــ 2004».
يعدّ رعد أحد أهم الفنانين اللبنانيين المعاصرين الذي تعاطى مع تاريخ لبنان الحديث، الممتد من فترة الحرب الأهلية حتى اليوم، عبر اعادة النظر بالأشكال والقوالب التي تساعده في كتابة هذا التاريخ وتصويره. خلال رحلة «أطلس غروب» في تاريخ الحرب الأهلية، استند إلى ما يسميه «وثائق هستيرية»، بمعنى أنّها لا تعود إلى ذكريات فعلية، بل إلى أوهام نبعت من مواد الذاكرة الجماعية. وهو أرشيف مختلق يعمل على التشكيك في موضوعية الروايات التاريخية وأصالتها، ويتبنى الأفق الذي تفسحه الحقيقة الكامنة في الخيال. في أعماله، لا فصل بين الوقائع الحقيقية والتجارب الشخصية. من هنا، جاء قراره بتقديم هذه المواد تحت أسماء شخصيات خيالية كفضل فاخوري، وسهيل بشار، وعامل رقم 17... وذلك بهدف البحث عن كيفية تقديم تاريخ الحرب الأهلية واستعادتها.
ومن أبرز القوالب التي قدم عبرها أعماله، نشير إلى شكل العرض/ المحاضرة، بما فيه من نقد للسلطة ولأصالة المواد المقدمة. اهتم رعد بالسياق الذي تفرضه المحاضرات: انتظار المحاضر، بدؤه الكلام، استناده إلى وثائق... انتهاءً إلى المحاضرة نفسها، وفتح باب الأسئلة والأجوبة. قالب اعتمده رعد لتقديم عروض كـ«عنقي أرفع من شعرة» (2004) الذي تناول فيه السيارات المفخخة في الحرب الأهلية اللبنانية مستنداً إلى مذكرات المؤرخ السياسي المختلق فضل فاخوري.
في أعمال «أطلس غروب»، لا تقدم الصورة بوصفها شاهدة على حدث تاريخي، بل على الغياب. في «أود فقط لو أبكي» (2002)، وهو فيديو مونتاج للقطات تظهر غياب الشمس على كورنيش بيروت، نسبه رعد إلى وكيل أمني يحمل رقم 17، كان يحوّل كاميراه من تصوير الناس وجمع المعلومات على الكورنيش إلى تصوير مغيب الشمس. كذلك هي الحال في «الرهينة: أشرطة بشار (شريط رقم 17, وشريط رقم 31) النسخة الإنكليزية» (2001). إنّه فيديو يروي قصة سهيل بشار الذي يقدم شهادة الرهينة السادسة واللبناني الوحيد بين رهائن غربيين اختطفوا في بيروت الثمانينيات. يتناول رعد على لسان بشار تجربة الأسر والخطاب الذكوري العربي والغربي الظاهر في السرد الشخصي.
أعمال كثيرة قدمها رعد تحت اسم «أطلس غروب» إلى أن تقاطعت تجربته مع المنظّر والفنّان جلال توفيق عبر كتاباته التي يتكلم في إحداها عن احتمال اختفاء/ انسحاب تقليد كامل بعد حدث كهيروشيما أو الحرب الأهلية اللبنانية. يرى رعد مع توفيق أنّ دور الفن شبيه بالمرآة في أفلام مصاصي الدماء، فهي قادرة على كشف انسحاب ما نعتقد أنّه ما زال حاضراً. اهتمام سينقل رعد من التركيز على أسئلة تُعنى أكثر بهذا الانسحاب، ومحاولة تسجيله على أمل رؤيته يوماً ما.
آخر أعماله «الرسم على أشياء يمكنني إنكارها: تاريخ الفن في العالم العربي» (2010) يدور حول طفرة البنية التحتية الجديدة للفنون البصرية في العالم العربي المتمثلة في المهرجانات، والمعارض، والمتاحف بموازاة الصراعات الجيو ـــ سياسية والاقتصادية، والاجتماعية، والعسكرية في المنطقة، ما يشكل أرضية غنية ومعقدة للعمل الإبداعي. هذا العامل تأثر به رعد نفسه، وترجمه في تقديمه «أطلس غروب» بحد ذاته كجزء من الأعمال المقدمة، لكن بحجم منمنم. كذلك يتطرق حالياً إلى تاريخ الفن اللبناني الحديث الذي يترجم تأثره بالحروب اللبنانية.
مشاريع أخرى يتضمنها معرضه ضمن «القسم الأول، المجلد الأول، والفصل الأول» كما يستكمل العنوان، لكنه بالطبع، سوف يكون الجزء الأخير. ليست هناك حاجة لإتمام العمل بل لتشريع التساؤل حوله، كما عودنا هذا الفنّان الذي كان أحد الذين شرّعوا الساحة اللبنانيّة على «الفن المعاصر» قبل عقدين. واليوم بأسلوب رومانسي حيناً، أو ساخر أحياناً، أو سياسي تارةً، أو فلسفي طوراً... يبقى وليد رعد قادراً على تحفيز المشاهد على التفكير بعمق في تاريخه، وذاكرته، وحضارته ومستقبله.

8:00 مساء اليوم: لقاء احتفالي في فضاء «أشغال داخلية» بمشاركة صوفي كال، دعت إليه «مؤسسة هاسلبلاد»، بالاشتراك مع السفارة السويدية و«غاليري صفير ـــ زملر»، جمعية «أشكال ألوان» (بيروت). للاستعلام: 01/423879




سيرة

وليد رعد (1967)، فنان وأستاذ محاضر في Cooper Union، نيويورك، يعيش موزعاً وقته بينها وبين بيروت. يشتغل على وسائط فنية مختلفة، من تجهيزات وعروض وتصوير وفيديو. أطلق «أطلس غروب» عام 1999، وهو عضوٌ في «المؤسسة العربية للصورة». شارك في معارض ومهرجانات عالمية مثل «دوكومنتا11» (كاسل)، و«بينالي البندقية» (ايطاليا)، و«بينالي ويتني» (نيويورك)، و«بينالي الشارقة» (الإمارات).