هذه هي تحيّتك المعتادة: سلامات. كانت دوماً ترافقها ابتسامة ساخرة من الدنيا ونظرة فيها من التساؤل والمحبّة ما يكفي كي تشعر محدّثك بأنّك تنتظر منه شيئاً ما.

سلامات يا عمر. لعلّك لا تدري ماذا كان أثر «الحياة اليوميّة في قرية سورية»، فيلمك في أوّل السبعينات الذي شاهدته مع حشد كبير في باريس، حيث كنت أدرس. تساؤلك ومحبّتك فتحا أعيننا على أنّ كلّ شعارات العدالة الاجتماعية للحكم في سوريا حينها كانت فارغة المحتوى، ولا تزال إلى اليوم. أطفالٌ يعلّمهم أساتذة في مدرسة بائسة في منطقة الجزيرة السورية: «أنا أشرب الحليب صباحاً، وآكل بيضةً، وأفرشي أسناني». ولا حليب ولا بيض ولا فراشي أسنان. لا شيء سوى الغبار.
سلامات يا عمر. من كان عليهم أن يتعلّموا لم يتعلّموا شيئاً، ولم يفعلوا شيئاً، وتركوا أهل الجزيرة لما هو حتّى أسوأ. وتركوا الآخرين، الفلاحين والقابعين في أحياء الصفيح ومتخرّجي الجامعات وكلّ الآخرين، أيضاً دون حريّة وحريّات ودون عدالة اجتماعية.
سلامات يا عمر: علّمتنا أنت وزملاؤك أنّه قبل عصر الفضائيات كانت هناك سينما عربيّة. سينما تساؤلها ومحبّتها وصدقها والتزامها بالناس هو «الحبّ الموعود».
سلامات يا عمر. شاهدت كلّ أفلامك. وحيّيت شجاعتك. أنت جزءٌ من وعي جيلنا والأجيال الجديدة التي يأتي يومها اليوم. صدمني بعض أفلامك، ولا سيّما «الرجل ذو النعل الذهبي»، حيث وجدت فيه بعض الانبهار بذاك الرجل، لكنّ رسالتك توضّحت بعد حين: «الناس الآن ينبهرون بهؤلاء، أبناء معجزة النفط والاحتكارات الذين يريدون صنع مستقبلنا بشعارات الماضي وبأموال الحاضر وخطاباته المرونقة، ليمنعوا عنّا رائحة ياسمين الحريّة إلى الأبد». لم يكن «ذو النعل الذهبي» وحيداً، إنّه حالة، وكان لا بدّ من فهمها وإدراكها حتّى يمكن تخطّيها، وتخطّي المرحلة كلّها.
سلامات يا عمر. فجعتنا برحيلك، لكن سترحل مطمئنّاً. لقد شهدت ثورتي تونس ومصر قبل أن ترحل. نعم ثورتان من «رائحة الجنّة»، ولم تكونا انقلاباً آخر. ثورتان تخطّى شبابهما كلّ التردّد، إذ انكسر خوفهم من الرجال «ذوي النعال الذهبيّة» أو البساطير وانبهارهم بهم. نعم، أنت شهدت كم هم واعون وواضحو الرؤية أولئك الشباب في ساحة التحرير، ولا يمكن التلاعب بهم، حتّى أكثر من جيلك وجيلي.
سلامات يا عمر. ارحل مطمئنّاً. فلن تبقى الأمور كما هي في أيّ بلد عربيّ، بما في ذلك بلدك سوريا. لا أقصد خطّه الوطني فأبناؤه سيظلّون أوفياء، إلّا أنّ التساؤل والمساءلة والمحبّة والابتسامة الساخرة قد ازدادت كلّها ثقة، وزال الانبهار والخوف من ذوي النعال الذهبيّة. لا بدّ للأمور أن تتغيّر، لكنّ الكلّ واعون أنّ هناك عدوّاً خارجيّاً يتربّص، ووحدةً وطنية ينبغي المحافظة عليها بالأرواح. والكلّ حموا سوريا بعد الغزو الأميركي للعراق ورفضوا محاولات قلب النظام من الخارج، لكنّ الكلّ يعي أنّ مستقبل سوريا لا يصنعه غير السوريين، والكلّ يتطلّع... إلى الحريات والعدالة الاجتماعيّة.
سلامات يا عمر. وكلّ المحبّة.

* رئيس تحرير «لوموند ديبلوماتيك» النشرة العربية