بعد أربع سنوات على ظهور «السمندل» في بيروت، أبصرت النور تجربة جديدة في القاهرة. «توك توك» مجلة كوميكس فصليّة جديدة، تعتمد على الموارد الذاتية لرسّاميها. النسخ الـ500 الأولى نفدت في الافتتاح مساء أوّل من أمس، ما يبشّر بتجربة ناجحة لرسّامين شباب أهدوا العدد الصفر إلى روح الفنّان محيي الدين اللباد. و«توك توك»، لمن لا يعرفه، هو الاسم المصري للـ«ريكشو» الهندي، تلك العربة الصغيرة ذات العجلات الثلاث التي أصبحت جزءاً أساسياً من المشهد المديني في مصر.


لم يكن بالإمكان اختيار عنوان موفّق أكثر من ذلك، لمجلة كوميكس جديدة. إلى جانب أنّه «وسيلة مواصلات مستحدثة، ارتاح الناس لها» كما يقول الرسّام هشام رحمة، فإنّ الـ«توك توك» حالة يعيشها أغلب سكّان القاهرة يومياً. حالة ازدحام وفوضى وصخب وتوتر، لكنها أيضاً حالة ابتكار طرق لمواجهة صعوبة الحياة في مدينة مكتظّة.
يستحوذ «الجنون المروري» وشخصياته على صفحات «توك توك»: أوّل قصة يرسم فيها شناوي «سايس عربيات»، يوقف بدلاً من السيارة طائرةً، مبرزاً الجوانب العبثية لهذه المهنة وكل ما تكشفه من علاقات طبقية. آخر قصّة لمنى سنبل عن مشاعر فتاة «مزنوقة في الزحمة» وقرارها التخلّص من وسواسها المرتبط بسيارتها عبر تشغيل سائق، هو «عم سَلَطان».
«حالة» القاهرة المألوفة يستعيدها القارئ في المجلة: هي «حالة» تجاوز للظرف السياسي الذي اعتاد بعض المشاركين في تجربة «توك توك» خوضه بوصفهم رسّامي كاريكاتور في صحف المعارضة (مخلوف وأنديل وهشام رحمة). بعضهم الآخر يعمل مصمّم غرافيك (شناوي، ووسيم معوض)، أو في مجلة «باسم» (توفيق، خالد عبعزيز) أو في التدريس الجامعي (منى سنبل). رغم أنّ المجلة تعبّر عن «تمرّد» ما، فإنه أنّه ليس تمرداً ضد الحكومة بالضرورة... «لأننا، بصفتنا رسّامي كاريكاتور، زهقنا من السياسة»، يقول هشام رحمة. إنّه تمرّد على «بعض تصرّفات الشعب المصري»، يقول، مشيراً إلى التحرّش الجنسي مثلاً. كذلك هو تمرّد على طرق رسم معينة، وكيفية معالجة بعض المواضيع. لهذا يلجأون إلى لغة مستوحاة من الحياة اليومية والحميمة أيضاً. مثلاً، تفجّر قصة مخلوف الساخرة العنيفة ضحكاً مكبوتاً، عن رسّام شاب يبحث عن الإلهام في لحظة عزلة فيما تريد زوجته الاختلاء به!
يتفاعل الرسامون مع المجتمع عبر «التركيز على الناس وعاداتهم»، يقول شناوي، محرّر المجلة ومصمّمها. من هنا جاء اختيار تقديم «تمبول وشملول وبهلول» أبطال حجازي المعروفين، في باب تاريخي، لتعريف القرّاء بجيل آخر من الرسّامين المصريين. ومثلما كان رسّام الكاريكاتور المصري الشهير حجازي يطرح «قضاياه عن العمل والإخلاص والصدق والأمانة» في «تنابلة الصبيان»، ها هم رسامو «توك توك» يسخرون من عادات بعينها، فالرسم ليس فقط تعبيراً عن الغضب، بل هو أيضاً رصد لحالات لا تهتم بها الصحف إلا نادراً.