تونس | التمرّد هو البؤرة المحوريّة في مسرحيّة «نجمة وهلال» للمخرج التونسي سامي النصري. العمل مأخوذ عن كتاب «أمس منذ ألف عام» وهو رواية شعريّة للتونسي عادل المعيزي، مسرحها النصري مع عبد الفتاح الكامل. عشرة ممثلين تناوبوا على خشبة قاعة مونديال (تونس العاصمة) وسط ديكور فقير، تطوّقهم أغنيات تراث المناجم في الشمال الغربي.

تنطلق الأحداث حين تزور زينة، الصحافية الفرنسية من أصل تونسي، قرية جبلية في الوسط ربيع 1952.

تأتي بحثاً عن هلال الشاعر الذي قرأت قصائده، ثمّ انقطعت أخباره عنها. تحاول إجراء تحقيق صحافي عنه، وعن عائلته، ومؤلفاته، لكنّها تُفاجأ باختفائه. في تلك الأثناء، تتصاعد المواجهات بين المقاومين التونسيين والمستعمر الفرنسي. وإذا بزينة تكتشف مقتل هلال على أيدي المستعمرين، بعد وشاية عمدة القرية به.
بُنيَت هذه الأحداث مسرحياً، انطلاقاً من قراءة المخرج لنصّ «أمس منذ ألف عام»، حيث يحكي عادل المعيزي عن تجربة الشاعر مع القبيلة التي تنكره لأنّه جاهر بالمسكوت عنه. يبدو النص في ظاهره بسيطاً، تماماً كالإخراج الذي جاء من دون مؤثّرات تقنية معقدة. تفتتح المسرحية بمشاهد لآهات جنائزيّة، ومواويل مغرقة في البدوية، يرددها مؤدٍّ منفرد على الخشبة. أمّا الديكور، فاقتصر على نافذتين ضخمتين، ارتفع أمامهما ستار أحمر. يتوقّف المغنّي عن ترديد الآهات ليقدّم للجمهور تأطيراً زمنياً للحدث، عام 1952، ومكانياً، مدينة القلعة الجرداء في الشمال الغربي لتونس. تخرج لغة النصّ من جبة الشعر القائم على السجع والإيقاع الموسيقي. ينفتح المسرح للممثلين برداء عمال المناجم الأزرق الداكن، وهم يرددون شعارات ثوريّة، بنبرة جنائزيّة. توزيع الممثلين إلى مجموعات، مثّل إحالة قوية على الوحدة القبلية أو الطبقية، وإلى علاقة الجسد الفردي بالجماعي.
يتداخل النصّ الحواري في «نجمة وهلال» مع التكثيف المشهدي الكوريغرافي، المرتكز على الحركات القويّة والسريعة. هذا ما أعطى انطباعاً بوجود ما يشبه حالة استنفار على الخشبة، لا يقطعها إلّا تأثيثات الصمت. التوجه «الملحمي» الحاضر على مستوى قصّ الأقوال أو سردها، لم يخفت طوال العرض. هكذا، انقسم النص في مسرحية «نجمة وهلال» إلى مستويين: أوّل درامي حاول رصد العلاقات بين الشخصيات، ومستوى ثانٍ يقدّمه راوٍ أو قاصّ (قد يكون حيناً الشخصية أو الممثّل ذاته) كشف أبعاد الجغرافيا والتاريخ المتضمنَّيْن للخرافة والمتعالقين معها. هذا ما خلق وحدة في المسرحية بين المستوى التاريخي والمستوى الدرامي، والفرجة المفتوحة على المعنى والأحداث.
ستون عاماً مرّت على 1952، تاريخ الأحداث في المسرحيّة، غير أنّ الأسماء التي ترد فيه تجد صدىً لنضالاتها وكتاباتها في الراهن التونسي اليوم، مثل فرحات حشاد، والحبيب بورقيبة، والطاهر الحداد، ومحمد علي الحامي، وبلقاسم القناوي، وأبو القاسم الشابي، ولزهر الشرايطي، والساسي الأسود. عرض «هلال ونجمة» (120 دقيقة) حاول أن يفتح ملف السلطة السياسية وحدودها، وتشعب مكوناتها في فترة من تاريخ تونس. فترة قد لا تختلف اليوم، لناحية طبيعة الصراع الدائر، رغم اختلاف الأقطاب. عدا أنّ السياق السياسي ليس غريباً عن المخرج المسرحي سامي النصري الذي اقترن اسمه بالفاضل الجعايبي، وخصوصاً بعد مشاركته في مسرحية «خمسون». «نجمة وهلال» أنجزت عام 2010، لكنّ وزارة الثقافة في عهد بن علي منعت تقديمها بسبب نصّها الجريء. الشعر التقى مع الغناء في «نجمة وهلال»، ليشكّلا روح العرض. اعتُمد على مقاطع شعرية في سياقين متكاملين، الأوّل ديوان معاصر هو «أمس منذ ألف عام»، والآخر شعر شعبي تراثي. يمكن القول إنّ القصيدة هنا، كانت تروي التاريخ...




«نجمة وهلال»: 26 و27 آذار (مارس) الحالي ـــ ضمن تظاهرة «24 ساعة مسرح دون انقطاع» التي يستضيفها «المركز الوطني للفنون الدرامية والركحية في الكاف» (الكاف/ تونس).