تونس | تستعيد تونس هذه الأيام ذكرى الطاهر الحداد (1899 ـــ 1935)، أحد رواد الفكر الإصلاحي في المغرب العربي، وتحتفي بكتابه المرجعي «امرأتنا في الشريعة والمجتمع» (1930)، من خلال طبعة جديدة تُطرح في المكتبات بالتزامن مع تصاعد «مشاريع الردة» التي تهدد المكتسبات التي حققتها النساء التونسيات على مدى عقود من التضحيات والنضالات. مما يجعل هذا الكتاب الجريء والسابق لعصره أكثر راهنية من أي وقت مضى.


عند صدوره قبل 82 عاماً، كان هذا العمل بمثابة البيان المؤسّس للحركة الإصلاحية التي خرجت من معطفها لاحقاً الجمعيات النسائية بأشكالها العصرية. استشرف «امرأتنا في الشريعة والمجتمع»، قيم ومبادئ العلمانية والدولة المدنية. وبالرغم من أنّ مصطلح العلمانية لم يكن مطروحاً في زمانه، إلا أنّ الطاهر الحداد اقترب من مفاهيمه وآلياته ومقاصده من خلال الدعوة إلى «رفع يد المحاكم الشرعية عن الطلاق وأحكامه»، و«الحد من تدخل المؤسسة الدينية في حياة الناس، وبالذات في شؤون المرأة ومكانتها في المجتمع». كذلك نادى بتقويض «سلطة الفقهاء» من خلال رد الاعتبار إلى الاجتهاد، وإعادة فتح أبوابه، من أجل التعامل مباشرة مع النص القرآني. وهذه الرؤية الإصلاحية يواصل الدفاع عنها اليوم مفكرون إصلاحيون بارزون في تونس، أمثال محمد الطالبي وهشام جعيط وعبد المجيد الشرفي وألفة يوسف ورجاء بن سلامة...
حين قرأ طه حسين الكتاب، قال عن الطاهر الحداد: «لقد سبق هذا الفتى عصره بقرنين»! لكن صاحب «في الشعر الجاهلي» لم يقيّض له أن يلتقي الإصلاحي التونسي الرائد. على غرار شاعر تونس الأكبر أبو القاسم الشابي، غيّب الموت الطاهر الحداد باكراً. وعلى الرغم من أنه رحل في سنّ الـ 36، إلا أنه ترك آثار أقدام راسخة وجريئة على الساحة الفكرية التونسية. كان قد لفت الأنظار برؤياته التحديثية التواقة الى العصرنة والانعتاق، منذ كتابه الأول «العمال التونسيون والحركة النقابية» (1927). لكنّ مواقفه الوطنية لم تغتفر له لدى الإستبلشمنت الديني المهيمن. فُتحت عليه النيران من كل صوب فور صدور «امرأتنا في الشريعة والمجتمع». جرّدته «جامعة الزيتونة» (المعادل المغاربي للأزهر) من شهادته العلمية، وفُصل من عمله في سلك التعليم. وحاول «علماء الزيتونة» الرد على مؤلَّفه بكتابين هما «الحِداد على امرأة الحدَّاد» و«سيف الحق على من لا يرى الحق». لكن رؤياتهم الظلامية لم تكف لإخماد الصدى المتزايد الذي حظي به صوته الإصلاحي، مما دفع بهم إلى الانتقال من ساحة النقاش الفكري إلى حلبة التكفير.
هكذا وُجِّهت إلى الطاهر الحداد تهم الإلحاد والزندقة، وتعرض لحملة قاسية وصلت إلى حد اعتراض المؤسسة الدينية على حقه في الزواج من مسلمة، في بادرة سبقت بأكثر من ستة عقود مساعي «فقهاء الظلام» لتفريق سليل الفكر الإصلاحي ذاته المصري الراحل نصر حامد أبو زيد عن زوجته!


رحل الطاهر الحداد في الـ36، وحيداً ومحاصراً من قبل جيوب الردة والأصولية والرجعية في بلاده. لكن اسمه بقي مخلداً ضمن رواد الفكر الإصلاحي في «عصر النهضة العربي» إلى جانب رفاعة الطهطاوي، وقاسم أمين، وعلي عبد الرازق، وطه حسين. ولم تنجح الحرب الشرسة التي شنّتها «الزيتونة» في تضييق الخناق على فكر الطاهر الحداد، فقد شكّلت رؤياته التحديثية مرجعاً بارزاً للحركة الإصلاحية التونسية. منها استوحى الزعيم الحبيب بورقيبة ـ غداة استقلال البلاد عام 1956 ــ «مجلة (قانون) الأحوال الشخصية» التي ما زالت إلى اليوم التشريع الأكثر طليعة في العالم الإسلامي في مجال حقوق النساء، إذ كفلت للتونسيات المساواة الكاملة مع الرجال، ومنعت تعدّد الزوجات.
جمعت «المجلة» بين الاجتهاد الفقهي الإصلاحي والنفَس الحداثي المستوحى من الفكر الإنساني الغربي، مستندة في ذلك إلى ما نادى به الطاهر الحداد في «امرأتنا في الشريعة والمجتمع» قبل ربع قرن من قيام الدولة الوطنية التونسية. ولم يكن أحد يتصور أن الطبعة الجديدة من كتاب الحداد ستتزامن ـــ بعد نصف قرن من الاستقلال ـــ مع حملة شرسة ضد الفكر الإصلاحي الذي أرسى دعائم العلمانية والدولة المدنية في تونس. كأنّ «حركة النهضة» والتيارات السلفية التي نبتت كالفطر في تونس ما بعد الثورة تواصل الهجمة الظلامية ذاتها التي شنّها عليه «علماء الظلام» في زمانه!
منذ انتخاب «المجلس التأسيسي» المكلّف بـ«صياغة دستور مدني يليق بالثورة التونسية» التي كانت فاتحة الربيع العربي، تحوّل النقاش السياسي إلى معركة ليّ أذرع بين «قوى الردّة» المنادية بإعادة «أسلمة» المجتمع التونسي، و«قوى التقدم» المدافعة عن مكتسبات الحداثة والعلمانية. واستغل بعض الإسلاميين الفوز الانتخابي الذي حصلوا عليه من خلال انتخابات ديموقراطية، لتسميم المؤسسات الديموقراطية من الداخل. من تحت قبة المجلس التأسيسي، فتح البعض من أمثال الشيخ صادق مورو (الجناح المتشدد في «النهضة») نقاشاً عقيماً حول مصادر تشريع الدستور الجديد: هل يجب أن تكون من الشريعة الإسلامية وحدها أم من «القوانين الوضعية»؟ بذلك يريد الإسلاميون شطب خمسين سنة من تاريخ تونس، من أجل طمس معالم الوصفة العصرية التي قامت على التوفيق بين الشريعة والفكر الإنساني العالمي، كما نادى بذلك الطاهر الحداد قبل 80 عاماً، وكما فعل بورقيبة منذ استقلال البلاد.
ولعل هذه الخلفية هي التي كانت دافعاً لصاحب دار «صامد للنشر» المثقف والمناضل الحقوقي ناجي مرزوق، لإصدار طبعة جديدة من كتاب «امرأتنا في الشريعة والمجتمع» من أجل إعادة تسليط الأضواء على فكر الطاهر الحداد الإصلاحي، في الوقت الذي يحاول فيه البعض العودة بتونس إلى فكر عصور الانحطاط، من خلال نفض الغبار عن قضايا تجاوزها موطن الشابي منذ عقود، كالزواج العرفي، وختان الإناث، وارتداء النقاب وتعدد الزوجات.
من يعيد قراءة هذا الكاتب في ظل الرّاهن التونسي، يكاد يُخيل له أنّ الطاهر الحداد يخاطب التيارات الظلامية الحالية بقوله: «الإسلام ليس هو المسؤول عن المصير البائس الذي انتهت إليه المرأة في مجتمعنا. فما أشبه من تضع النقاب على وجهها منعاً للفجور، بما يوضع من الكمامة على أفواه الكلاب كي لا تعضّ المارّين!».