القاهرة | تثير تجربة الفنان عمرو فكري تساؤلات كثيرة، يرتبط أغلبها بعلاقة الفنان المعاصر بتراثه. في كاتالوغ «قدس الأقداس» الذي نشر بمبادرة من «المؤسسة الثقافيّة السويسرية» في القاهرة «بروهلفستيا»، نستعيد محطات رئيسية من مشروع فنيّ طويل بدأه عام 2004 وانتهى عام 2009، ومرّ بمراحل عديدة هي «الفراش» و«مواقف النفري» و«فناء الوحدة، فناء المكان» و«بصير الملائكة».


سعى فكري منذ عمله الأوّل «في حضرة مولاي» (2004) إلى البحث عن إجابة عن سؤاله الخاص بشأن الموروث الفني، إلى جانب إشباع رغبته في تأمّل «الحضرة الصوفية، والبحث عن الطريق». قاده هذا البحث إلى صوغ الرؤية البصرية التي هيمنت على معرضه آنذاك، وتكوّنت علاماتها الرئيسية من الفضاء المكاني للحضرة (المسجد/ رقص المولوية/ فضاء السمع خان). ظلّت الحضرة في الممارسة الصوفية، مقترنةً بسلوكيات يُستدعى فيها الفنّ. وفي باكورته، قدّم فكري صوراً فوتوغرافيّة تنظر في رقص الدراويش داخل فضاءات مكانية تركّز على الحركة الجسدية الموقّعة، التي تستولي على كيان الصوفي. التجربة الصوفية حوّلت الجسد نفسه إلى مدّ حركيّ، كمحاولة لبلوغ المجهول المتناهي، كما لجأ إلى مزجٍ محسوب، بهدف إبراز تناغم الإيقاع بين حركة أجساد الدراويش، وحركة الخطوط العربية المكتوبة التي بدت كـ«رقيمات» تنتمي إلى الخط الديواني.
وجاء التعامل مع الخطّ كمفردة بصريّة داخل هذا السياق. وهو تصوّر لا يغادر المفهوم التجريدي الذي عمل عليه الفنان المسلم تاريخياً. الأبجدية العربية كما تعرّفها دراسات كثيرة، هي تجريد أو خط/ رسم، لا يحيل على الواقع، بل على الغيب والخطّ كما يقول أدونيس، هو كلامٌ أو نغمٌ، نوعٌ من الموسيقى الخطية، كلامٌ لا يقول إلّا ذاته. وفي مشروعاته التي تلت «في حضرة مولاي» ورسمت مسار بحثه الفني «قدس الأقداس»، حافظ عمرو فكري على المضمون التجريدي كمرتكز ثابت، لكنّه عمل على تغذية هذا المرتكز بجوانب روحانية أكثر تجليّاً تقوم على تأمّل واستلهام الأشكال الهندسية في العمارة الإسلامية.
في الجزء الأوّل من مشروع «قدس الأقداس» الذي يحمل عنوان «الفراش»، يبني الفنان رؤيته على تأمُّل أو حوار مع نصّ «الطواسين» للحلّاج (858 ـــ 922) حيث يقول الشاعر الصوفي: «النقطة التي في وسط الدائرة هي الحقيقة». الفراش يتحرّك دوماً باتجاه مصدر النور، ومصدر النور، وفق الرؤية الصوفية، هو الذات الإلهية.  
من الممكن أن يكون فكري قد رأى في العناصر المعمارية الخاصّة بالعمارة الإسلامية الحوافز ذاتها التي قادت مخيّلة فنّاني عصر النهضة في تعاملهم مع مفردات العمارة القوطية، إذ نُظر اليها كأجسام «تتكشف وتتطور مع تماثيلها وأشكالها البارزة في المكان على نحو تشكيلي، لكنّها تتحرّر من إطارها الديني بعد تحريرها من الحيز الفراغي لها في المكان المحيط». وتابع ذلك في «مواقف النفري»، من خلال تعامله مع التكوينات الإشعاعية للأطباق النجمية التي نفذها الفنان المسلم، ووجد فيها عمرو فكري ضالته في المرحلة الثانية من عمله المعتمد على نحو رئيسي على نصوص النفري. وفيها بدأ فكري شغبه واللجوء إلى التجريد الخالص، والتخلّص التدريجي من الأجساد البشرية، التي فرضت حضورها في المرحلة الأولى «الفراش». عمل على إخفاء حضورها من خلال فرض تماهيها المطلق، مع الأشكال الهندسية، وخصوصاً الأطباق النجمية.
وفي المرحلة الثالثة من بحث «قدس الأقداس»، الذي يحمل عنوان «فناء الوحدة، فناء المكان»، يتبلور أكثر معنى الإيقاع في بحث فكري عن الأشكال الشبكية المربعة، والشبكية المثلثة السداسية. وقد يلجأ أحياناً إلى استخدام التكوين على نقاط التماس، أو إلى نوع من التراكيب كإخفاء شكل داخل جزء من شكل آخر، أو التضافر، حيث تكون حركة التمركز مرة داخل الدائرة، ومرة أخرى خارجها.
وفي المرحلة الأخيرة من البحث «بصير الملائكة»، يشتغل الفنان على نصوص هيرميس. وفيها تقتصر رؤية فكري على التجريد، سواء كان مصدره تشكيلات ضوئية أو نباتية في أعمال أقرب إلى ما يسمّى «أرابيسك التوريق» (من ورق النبات).
هذا ما يجعل أعماله كلّها سفراً في اتجاه عكسي للزمن، وهي ليست ردة، بل غوص في الأعمق، وخروج جديد إلى النهار.




الزخرفة فلسفة

تذكّر رؤية عمرو فكري للمركز بمصطلح «الطواف الكعبي حول مقصد واحد» الذي وضعه نقّاد الفن الإسلامي، انطلاقاً من الرؤية الإسلامية التوحيدية للإله. لا يمكن النظر إلى أعمال عمرو فكري من دون التساؤل عن العلاقة بين حدود عمل الفنان الفوتوغرافي، وحدود عمل المصمم. التصميم في مجال الفن مصدره الحاجة الإنسانية إلى اكتشاف المعنى، والنظام، والمعنى المنظم، والنظام ذي المعنى. فقد بدأ الفنان انطلاقاً من هذا المشروع، بلورة فكرة الاشتغال على استخدام الوحدات الزخرفية الراسخة في العمارة الإسلامية، وهو اشتغال سيتأكّد في المراحل الأخرى من مشروع البحث الذي يخوضه فكري. الفنّ الإسلامي أدّى في صدر الإسلام الدور المعرفي نفسه الذي أدّته الرياضيات عند أفلاطون في الفلسفة اليونانية، أي تدريب الذات على التجريد، بحيث يكون التجريد طريقاً لمعرفة المُثُل.