«سوريا هي موقع القيادة، أو كما وصفها المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي الحلبة التي تواجه فيها كل القوى بعضها بعضاً الآخر ويكون لذلك عقابيل _ جيدة أو سيئة_ في كل أنحاء العالم. هذه الجملة مستقاة من تقديم العضو في «معهد هوفر» (الولايات المتحدة) شارلز هِلْ لكتاب فؤاد عجمي «التمرّد السوري» (دار جداول، 2013، تعريب أحمد الشنبري).

النسخة الإنكليزية الصادرة عام 2012 The Syrian Rebellion لم تأخذ وقتاً طويلاً حتى تُنقل إلى العربية، نظراً إلى اللهفة الشديدة التي فرضها الحراك الاحتجاجي في سوريا على بعض الباحثين العرب والغربيين ممن وجدوا فيه مادة دسمة للتأليف والكتابة. يعدّ مدير «برنامج دراسات الشرق الأوسط» والأستاذ في «جامعة جونز هوبكنز» في الولايات المتحدة فؤاد عجمي (1945) من الأصوات المساندة للمحافظين الجدد في الولايات المتحدة وسياستهم الخارجية المعادية للعرب. حين طُلب منه التعليق على أطروحة صموئيل هنتنغتون «صدام الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي»، قال ما معناه «الإسلام ليس خطراً لتشرذمه وانهياره وسقوطه في وجه عواصف الحداثة».

ليس ذلك غريباً على عجمي (1945) الذي انتقل من لبنان إلى الولايات المتحدة عام 1963، وتحوّل من قومي عربي ناصري اعتبره إدوار سعيد مدافعاً فعّالاً عن القضيّة الفلسطينيّة إلى «نجم» الأوساط الصهيونية وجامع التبرّعات للمستوطنين الإسرائيليين وكاره للعرب (راجع مقال الزميل أسعد أبو خليل في هذا الإطار، الأخبار 9/1/2010).
في كتابه، يفضل عجمي وصف ما يحدث في سوريا بـ«التمرد». يقدم في أسلوبه السردي نوعاً من المقالات الخاطفة عن قضايا شائكة، جزء منها تاريخي وآخر له علاقة بالأحداث الراهنة. لا يصل الكتاب إلى درجة المؤلَّف العلمي، فهو عبارة عن نمط يمتزج فيه السرد الذاتي مع المعطيات السياسية. يستهل عجمي قراءته بالتوريث السياسي في سوريا الذي آل إلى انتقال السلطة من الأب إلى الابن، شارحاً العوامل المؤدية إلى استبعاد بعض الشخصيات التي كانت مقربة من دائرة القرار. ينتقل للحديث عن العهد الجديد الذي استبشر به السوريون، في ما أطلق عليه آنذاك انفتاح النظام السوري للدلالة على مساحة التعبير التي أتيحت. يقارب صاحب «قصر الأحلام لدى العرب» من زاوية تاريخية حال الطائفة العلوية، محاولاً الإحاطة ببعض عقائدها وحضورها في المشهد السياسي السوري والتحولات الديموغرافية والسياسية التي شهدتها بعد عام 1970. يحيلنا على مرحلة الانتداب الفرنسي وموقفه تجاه الأقليات، ومن ضمنها العلويون. يرى أن سقوط السلطنة العثمانية أدى إلى فقدان المسلمين السنّة الكثير، فالإمبراطورية كانت موطن الإسلام التقليدي، وكان أكثر الناس بساطة من أهل المدن في حماه وحلب يرى ديانته في ممارسة الدولة وعقيدتها.
تحت عنوان «زمن المؤسس»، يدرس الكاتب بإيجاز شديد الحقبة الممتدة من عام 1949 حتى عام 1970 وما بعده، مسلطاً الضوء على الصراع «الإيديولوجي» الذي عرفته سوريا لتحديد وجهتها بين الشيوعيين والناصريين والقوميين والبعثيين. يتحدث عن مرحلة الرئيس حافظ الأسد والنهج الذي اتبعه النظام الذي عمل على توطيد أركانه وقوته ــ كما يقول الكاتب ــ عبر أربعة مفاصل أساسية: تشبيك العلاقة مع طبقة التجار السنّة في المدن السورية الكبرى، مثل دمشق وحلب لكسب تأييدها؛ تطويع المؤسسات الدينية السُنيّة لتكون تحت إرادته؛ تقوية نفوذ الطائفة العلوية في المؤسستين السياسية والأمنية؛ وتجنيد الريف كسند للسيادة التقليدية.
يتطرق عجمي إلى النهج الذي اتبعه الأسد الابن في الداخل السوري ودول الجوار من بينها لبنان قبل تفجر الحركة الاحتجاجية. يضيء على الصدام بين بعض الشخصيات السياسية اللبنانية والنظام السوري إبان التجديد للرئيس السابق إميل لحود، على رأسها رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري الرجل السياسي «المعتدل والحداثي الذي لا يمكن أحداً أن يتهمه بالتطرف؛ إذ كان عدواً للأفكار الجهادية وقدم إلى السنّة بديلاً سياسياً محترماً وبالتحديد للبنان مسرحه ولكن نظام الأقلية الهش في دمشق لم يكن مطمئناً تجاه ذلك».
يدخل في صلب الحركة الاحتجاجية السورية. يشرح بشيء من التفصيل انتشار رقعة الاحتجاج الشعبي بدءاً من درعا وصولاً إلى ضواحي دمشق مفصلاً الكلام على الدوافع الخارجية والداخلية التي فجرت «الثورة السورية في بلد استيقظ من سبات طويل». يستند إلى تقرير قدمته «المجموعة العالمية للأزمات» عن عوامل نشوء الثورة، إذ لاحظ أنه مع مرور السنين، نسي النظام جذوره الاجتماعية وأخذ يبعد نفسه عن مناطق الأطراف التي جاء منها، فاتسعت الفجوة بين المدينة والريف، ما يفسر تناقض أنّ «النظام نشأ في المقاطعات نفسها التي تثور عليه اليوم». وينقد عجمي «تخوف بعض المسيحيين، ويبرز مواقفهم من الحركة الاحتجاجية على قاعدة التوجس من قدوم سلطة سنية قد تأتي بالمتطرفين». ويشنّ هجوماً على النظام السوري الذي حمل لواء حماية الأقليات «لأهداف سياسية». هنا يتداخل التاريخ مع الحاضر ونجده يستشهد بمحطات التعايش الإسلامي _ المسيحي في تاريخ سوريا الحديث.
يقول عجمي إنّ «العلاقة بين النظام الذي يسيطر عليه العلويون والإسلام السنّي لم تكن واضحة». كان التوتر والقلق والمظلومية لدى السنّة في سوريا سيد الموقف. من النقاط التي يكشف عنها استناداً إلى أحد الباحثين البارزين في الشؤون السورية جوشوا لاندس، وهي قضية تتعارض مع الانطباع عن نظام أقلية يحارب العقيدة السنية السائدة، إذ لاحظ جوشوا بعد دراسة المواد الدينية المقررة على الطلاب، أنّ «محتواها عربي وسُني. وكانت المواد صامتة حول العلويين والإسماعيليين والدروز وحتى عن الشيعة عامة».
يخصّص صاحب «الإمام المغيّب: موسى الصدر وشيعة لبنان» فصلاً لحال المراوحة الدولية في الأزمة السورية، بدءاً من الجولات الماراتونية لجامعة الدول العربية، مروراً بمجلس الأمن الدولي، وصولاً إلى الموقف الروسي والإيراني.
يستعين الكاتب بمقال كتبه الباحث السوري علي أسعد وطفة الموسوم «المجتمع العلوي في قفص الاتهام: قراءة سوسيولوجية»، مفاده أنّ النظام الحاكم «لم يكن يمثل سيادة جماعة واحدة على الجماعات الأخرى؛ كان مشروعاً متعدد الطوائف، وكياناً عسكرياً تجارياً مترابطاً، أداؤه موجّه لمصلحة الطبقات المميزة». لا ينكر عجمي الحقيقة في الشروحات التي أوردها وطفة عن استفادة رجال الأعمال السنّة من النظام، إلّا أنه في رأيه استخدم منطق الدفاع. لم يقدم فؤاد عجمي (1945) في كتابه «التمرّد السوري» شيئاً جديداً، بل وقع في التفسير الأحادي، والمطب الأيديولوجي والذاتي في مقاربته للحراك الاحتجاجي في سوريا وأزمتها المتمادية.