ليس ياسمينة خضرا من الكتاب الذين يرفضون الانكبابَ على مشاغل بلدانهم والعالم. بالعكس تماماً، ما يطبع رواياتِه هو "آنيتُها" البالغة، إن جاز القول. ونعني بذلك أنّ أغلب مواضيعَها وثيقَة الصلة، إلى درجة تثير الدهشة، بالسياق السياسي والإعلامي الذي صدرت فيه. صعبٌ جداً، بطبيعة الحال، أن نقول إنّ "موضوع" رواية ما هو هذا أو ذاك، فالعمل الأدبي ثمرة صناعة لغوية، وحوار المحتوى والشكل فيه هو ما يعطيه خصوصيتَه الفنية. صعبٌ، اللّهم إلا إذا دلّ المؤلف نفسُه القارئ والناقد على ما أراد "معالجته"، وهو ما يقوم به كاتبُنا، بصورة منتظمة، في تصريحاته للصحافة. لننظر إلى سياق نشر أكثر أعمال ياسمينة خضرا شهرةً. صدور "خراف الرب" (1998) و"بمَ تحلم الذئاب؟" (1999) عن مأساة سنوات التسعينيات في الجزائر جاء في خضمّ تساؤل الجزائريين عن "سيكولوجية الإرهابيين" وسرّ التحاق "الناس العاديين" بالمنظمات الأصولية المسلحة. "سنونوات كابول" (2002) نُشرت بعد سنة من الغزو الأميركي لأفغانستان، وما رافقَه من سيول إعلامية عن معاناة الأفغانيات تحت نير طالبان لم يكن منبعُها حبَّهن بقدر ما كان تبريرَ احتلال بلادهن. "الهجوم" (2005) صدرت في سياق اهتمام أورو- أميركي متزايد بـ شخصية "الانتحاري" غذّته تفجيراتُ 11 سبتمبر 2001 وموجةٌ ثانية من العمليات في فلسطين تلت انتفاضةَ الأقصى.


وهكذا دواليك."صفارات بغداد" (2006) نُشرت بعد تبخّر نشوة القضاء على صدام حسين وانكشافِ حجم الكوارث التي نجمت عن الاحتلال الأورو- أميركي للعراق، و"فضل الليل على النهار" (2008) صدرت في جو من الجدل الساخن عن ماضي فرنسا الاستعماري في الجزائر بعد تصويت البرلمان الفرنسي على قانون يمجِّد "المآثر الفرنسية وراء البحار".
يندُر أن تكونَ الصلةُ بين الرواية وسياقها السوسيو- تاريخي بهذا المستوى من الوضوح والشفافية، بل إنّ هذا السياق، باعتراف ياسمينة خضرا، هو ما أوحى إليه ببعض مؤلفاته. يقول عن دوافع كتابته "ثلاثيتَه الشرقية": "بدأت بـ «سنونوات كابول» لأبيّن ما كان بعض الديمقراطيين يريدونه لبلادي: انتخاباتٌ مغشوشة تحكم على الديمقراطية بالموت، ثم رأيت أن سوء التفاهم مستمر، فقلت لنفسي: يجب أن نقول لهم (للغربيين؟) إنّهم لا يفقهون شيئاً مما يجري (في العالم العربي والإسلامي). كتبت إذاً «الهجوم». وأنا أخطُّها، أدركت أن جزءاً ثالثاً عن العراق ضروري. كان عليّ أن أشرح بسرعة ما كان يحدث هناك" (1).
ولا يفسر هذا الالتصاق الشديد بالحدث (بمعناه العام، أي ما يشغل الناس ووسائلَ الإعلام في فترة معينة) لوحدِه نجاحَ ياسمينة خضرا العالمي. عدا موهبتِه ككاتب طبعاً، لهذا النجاح تفسيران آخران محتملان. الأوّلُ هو لعبُه دورَ وسيط يعرِّف العالم بـ "جانب العرب الرائع، جانبِهم الكريم السلمي" (2) ويشرح "الشرقَ" لـ"الغرب" في إطار نظرة تراهما عالمين مختلفين تعريفاً، يتوجب مدّ الجسور بينهما رحمة بالسلام العالمي. يقول متحدثاً عن الخدمات التي تسديها "ثلاثيته" للقارئ "الغربي": "أن تجول به في أفغانستان طالبان، في قلب النزاع الإسرائيلي-ا لفلسطيني أو في عراق اليوم يعني تمكينَه من ولوج العقلية الشرقية بصورة مباشرة" (3). أما العقليةُ الشرقية إياها فما أبسطَها: "الشرف أهمّ شيء في نظر البدو بعد الدين" (2) و"المرأة العربية حبيسةُ عالم مواز" يضفي عليها "صفةً شبحية" ويجعلها "تُتخيَّل أكثر مما تُرى" (1)، وما إلى ذلك من دُرَر الاستشراق الذاتي.
التفسير الثاني المحتمل لنجاح ياسمينة خضرا العالمي هو تبنّيه خطاباً "مقبولاً" عن مسائل سياسية شائكة تتطرق إليها رواياتُه، وموقفُه "الوسطي" عندما يتعلق الأمر بصراع مرير بين قطبين متناقضين (الفلسطينيون/ دولة إسرائيل، ممجّدو الاستعمار الفرنسي/ منتقدوه). ونحن إذ نكتبُ هذا الكلام لا نستند إلى قراءتنا لنصوصه بقدر ما نستند إلى ما يقوله هو عنها في وسائل الإعلام، جاعلاً خطابَها الضمني المستتر يدوِّي في آذان القراء ويوجِّه مطالعتَهم لها.
رغم أنه من الروائيين الجزائريين القلائل الذين تناولوا مأساةَ بلدهم في التسعينيات بمستوى من الاقتدار الفني يُخرجه من دائرة "الأدب الاستعجالي" الرث، لم يسلم ياسمينة خضرا في تطرقه إليها من تأثير البروباغندا الرسمية وشبه الرسمية: المسلحون الإسلاميون ليسوا حصادَ الدكتاتورية المرَّ بل "أبناءَ الحركة" (عملاء الاستعمار)، ينتقمون لآبائهم بتدمير الدولة الجزائرية المستقلة، والحركاتُ الأصولية مآلُها الاندثار بعدما اكتشف الشبابُ المغرَّر به حقيقتها الإجرامية، الخ. ورغم شرحه أسبابَ الغضب الفلسطيني لقارئه "الغربي"، فإنّه يصوّر القضيةَ الفلسطينية (باسم نبذ الإكليشيهات) مأساةً عائلية لا حلّ لها، بطبيعة الحال، بغير "الحوار". يقول عما دفعه إلى تأليف "الهجوم": "لم أقتنع بالروايات العربية والإسرائيلية التي قرأتها (عن الموضوع)، فكلُّها تفضل فكرة المواجهة بين اليهود والفلسطينيين وتقدّم، في بعض الأحيان، تنازلاتٍ للخطابات السائدة ولا تسلّط ضوءاً موضوعياً على سوء التفاهم هذا (هكذا، حرفياً)" (4). كذلك موقفُه من الجدل المستمر عن الجرائم الاستعمارية في الجزائر، يستلهم فكرةٌ رومانسية عتيقة: الحرب عبث (كما يقول كانديد، بطل فولتير) أكثرُ منها ثمرةَ نظُم سياسية واقتصادية بعضُها، كالرقّ والاستعمار، منتهى الهمجية. لذا لا غرابةَ إن قال عن روايته "فضل الليل على النهار" إنها تروي "وجه الاستعمار الآخر، بمنأى عن الدروب المطروقة."(3). وهذه الدروبُ هي، طبعاً، دروبُ كل من يعتقد أن قصصَ التعايش الأخوي بين جزائريين وفرنسيين لا تكفي لكي نَصِف الاحتلال الفرنسي بأنه "ماض مشترك" (5)، كما لا تكفي قصصُ المودة الإنسانية بين فلسطينيين وإسرائيليين لكي ننعتَ "الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني" بأنه "سوء تفاهم" وننسى أنّه نتاج احتلال إجرامي عمرُه الآن 65 سنة.


هوامش
(1) يومية Le Soir البلجيكية، 28 أكتوبر 2006.
(2) Evene.fr، 9 أكتوبر 2006.
(3) Rue des livres، 19 نوفمبر 2007.
(4) يومية Liberté الجزائرية، 30 أكتوبر 2005.
(5) http://Bibliobs.nouvelobs.com