إهدن (شمال لبنان) - تُضيء التلفزيون لمعرفة آخر الأخبار، وآخر قذيفة سقطت، وآخر مجزرة وقعت، ونوع السيارة المفخخة التي قد تنتظرك عند إحدى زوايا الموت... قبل أن تتنفّس الصعداء مع فاصل إعلاني: رجل (أنيماشن) يمشي على تلة ما يلبث أن يستريح تحت شجرة مثمرة من الكتب، وفجأةً يسقط كتابُ على رأسه، فتدفعه حشريته إلى فتحه. ليس بالفيزياء وحدها يتغيّر العالم. في زمن الموت الرخيص والجرائم الفظيعة، يطالعنا إعلان «معرض الكتاب السادس إهدن» ليقول بأنّ هناك من يتذكّر نيوتن، لا بل نيوتن وجان بول سارتر ورامبو وكونديرا وبأنّ هؤلاء وحدهم هم خلاص العالم.

هكذا، افتتح «اللقاء الثقافي» معرضه نهار الثلاثاء 20 آب (أغسطس) في «بيت الكهنة» الأثري في الشمال اللبناني، متضمناً نشاطات أدبية وثقافية من تواقيع كتب وقراءات شعرية وتحية إلى «شيخ المخرجين العرب» يعقوب الشدراوي. في الواقع، يأتي معرض الكتاب كفاصل مع الثقافة. في منطقة لا تتبنى الاختلاف بدعوى الخوف على التقاليد والأصالة، يكسر الحدث المعادلة القائمة ليقدم ملجأً آخر. يشدّد أعضاء «اللقاء الثقافي» على أهمية هذا النشاط تحديداً، ليس لأنه سنوّي فحسب، بل لأنه وسيلة مباشرة لمخاطبة الجمهور - المجتمع باللغة التي «يسعى اللقاء الثقافي أن تصبح متداولة وهي ثقافة الوعي».
بعد تجربة بعض أعضائه في مجموعة «بالعكس» التي كانت معنية بالقضايا الإجتماعية والثقافية، رأى «اللقاء الثقافي» أنّ التوليفة الأصح تكمن في إبراز الإختلاف والتنوّع. يقول نزار عاقلة أحد المسؤولين في «اللقاء الثقافي» إنّ كل الأعمال التي يقوم بها اللقاء «تهدف إلى زرع بصيص أمل عند الذين فقدوه، ونشر الوعي أولاً. كما يهدف إلى القول بأنّ هناك خياراً آخر بديلاً عن الموجود».
«معرض الكتاب السادس إهدن» مميّز هذه السنة. بعدما بات نشاطاً معروفاً ومترقباً من أبناء المنطقة، توسع جمهوره ليطال شرائح من خارج المنطقة. تقول عبيّدا حنّا، إحدى عضوات «اللقاء الثقافي» إنّ أحد أهداف هذا المعرض هو كسر مركزية معارض الكتب في بيروت. لذا، فهذا النشاط ليس فولكلوراً سنويّاً، بل مشروع قائم أكدّ نجاحه بذاته من خلال إستمراريته وتطوّره.
تشارك في المعرض هذه السنة حوالي 12 دار نشرٍ تحوي أكثر من 1000 كتاب باللغات العربية والفرنسية والانكليزية من مختلف المواضيع. مثلاً، يعود فوزي يمّين في مجموعته الشعريّة الجديدة «تمارين على تبديد الوقت» (إصدار «اللقاء الثقافي» ــ توقيع 24/8 ــ س:5:00) إلى لغةٍ غنائيّة ورومانسية بعدما عوّدنا على معجم عنيف بعض الشيء. هنا، يحاول صاحب «كلاب العزلة» (2007) رصد تأثيرات الوقت وآثاره. هكذا، يفتح ألبوم حياته، ويُفلفش مراحلها وسنواتها من دون أن يتخلّى عن ثيماته الأثيرة كالحبّ، والموت والعزلة، وعن بحثه الدؤوب عن الجُمَل المدهشة الصادمة والايقاعات الجديدة التي يولّدها من خلال القوافي الداخليّة واللّعِب على الكلام والجُمل المتكرّرة كاللوازم. ويشهد المعرض تجربة محمد سليمان الأولى في الشعر. في «شتائم طويلة» (25/8 ــ س:5:00)، يقدم الرسام اللبناني قصيدة هي نتاج اللحظة والتفاصيل الصغيرة الكثيرة. وبعد كتابه «الأمل والألم: مع الرئيس رينيه معوّض»، يواصل ميلاد رومانوس معوّض في «للتاريخ: إهدن 13 حزيران 1978» (إصدار خاصّ ـ (24/8 ــ س:5:00) عمله الذي يجمع بين التوثيق والكتابة الوجدانيّة والتحليل السياسي، محاولاً رصد الأحداث التي سبقت مجزرة إهدن ومهّدت لها من خلال جمع معلومات وتوثيق أحاديث وإجراء مقابلات عديدة. فيما يأتي «شمدص جهجاء» (25/8 ــ س:5:00) كتوقيع ثان للباحث والكاتب جان دايه في معرض كتاب إهدن. يركز جان دايه في بحوثه وتحقيقاته على الأديب الراحل سعيد تقي الدين. العمل عبارة عن مجموعة مقالات حقق فيها الباحث، علماً أنّ شمدص جهجاء هو شخصية مستعارة لاذعة وساخرة بناها الأديب سعيد تقي الدين في محطاته الأدبية بهدف مخاطبة الطبقة السياسية في لبنان خلال مرحلة الإستقلال لغاية عام 1958 التي كانت تمتاز ببرجوازيتها وحكمها الإنتهازي. بالإضافة إلى «قراءات شعريّة صوفيّة» مع الأب يوسف يمّين التي استضافها المعرض والأمسية التي تناولت «الموسيقى الصامتة عند الأخوين رحباني» قدّمها الزميل بشير صفير، وجّه الحدث أمس تحية إلى «شيخ المخرجين» الراحل يعقوب الشدراوي تحت عنوان «المسرح ينتصر دائماً على الموت». التحيّة فرضت نفسها على الحدث بحكم غياب الشدراوي في أواخر أيّار (مايو) الماضي. يشدّد أعضاء اللقاء على كلمة «تحيّة» بخلاف كلمة «تكريم»، فالأولى فيها الكثير من الحميميّة والعفويّة والبساطة، في حين تنطوي الثانية على معاني التكلُّف والرطانة والبرودة، بما يتطلّبه التكريم من حضور رسميّ ومطوّلات خطابيّة. تضمّنت هذه التحية عروضاً بصريّة، وشهادات من ممثّلين ومخرجين وكُتّاب، ومعرضاً فوتوغرافيّاً (من أرشيف الشدراوي)، فضلاً عن كُتيّب من إعداد «اللقاء» (راجع الكادر). هكذا، ينجح معرض إهدن عاماً تلو الآخر في فرض نفسه على الروزنامة الثقافية، مخصصاً حيزاً كبيراً للأطفال أكان من خلال الجناح الخاص بهم أو الأنشطة الفنية كالرسم، مراهناً على أنّ التغيير الذي يحتاجه لبنان للخروج من حلقة مفرغة مستمرّة منذ الاستقلال، لا يتم إلا من خلال الأجيال الناشئة.

«معرض الكتاب السادس إهدن»: حتى يوم غد الأحد ــ «بيت الكهنة» (اهدن، شمال لبنان)





تحية إلى شيخ المخرجين

خلال إعدادهم للكتيّب الخاص بيعقوب الشدراوي «المسرح ينتصر دائماً على الموت»، اعتمد القائمون على معرض إهدن على شهادات عدد من المخرجين والممثّلين الذين عايشوا المخرج الراحل وعرفوه، بهدف توثيق المعلومات عنه وجمع الأرشيف من صور وأفلام لمسرحيّات أنجزها. الكتيّب الذي وزّع مجاناً على الحاضرين، يغطّي محطّات بارزة من حياة الشدراوي، منذ المراحل الأولى في بلدته زغرتا، مروراً ببيروت الستينيات والسبعينيات حين شهد المسرح اللبناني حقبته الذهبيّة، وصولاً إلى سنوات الاعتزال والمرض. ويراوح الكتيّب بين التأريخ والنقد المسرحي والشهادات الوجدانيّة الحياتيّة، ويتضمّن كلمة «اللقاء الثقافي» ومقالات لكلّ من: محسن أ. يمّين، رشيد الضعيف، جلال خوري، شوقي الدويهي، ماجدة داغر وآخرين.