أسبوع مرّ على رحيل المثقّف الأممي في أحد مستشفيات فرنسا. قيل إن موته اشارة إلى نهاية حلم الدولة الفلسطينيّة، مع أن «أوسلو» ماتت في المهد لأنّ إسرائيل غير مستعدّة للتنازل عن جزء يسير مما اغتصبته بإسم الشرعيّة والتاريخ. إيلان هاليفي (١٩٤٣ ـــ ٢٠١٣) اليهودي اليمني الذي ولد في مخبأ للمقاومين في مدينة ليون خلال الحرب، من أبوين علمانيين حتّى النخاع، كان لديه كل شيء ليفضح المسخ من داخل.


في اسرائيل ناضل مع اليسار المعادي للصهيونيّة، وعمل عتّالاً ومنضداً، قبل أن يهجر مسرح الجريمة ويلتحق بمنظمة التحرير أيّام كانت «إرهابيّة». صار مقرّباً من أبو عمّار، وشارك في مفاوضات السلام، تلك التجربة التعيسة التي لم يبقَ منها سوى اغتيال عرفات، وعلّمتنا أن المقاومة المسلّحة هي الخيار الوحيد بوجه الكيان السبارطي. عاشق الجاز المسكون بالسياسة عاش مناضلاً راديكاليّاً، يرفض أي وضعيّة خاصة لنفسه كيهودي. احتلّ مناصب مرموقة، وكتب في المسألة اليهوديّة والقضيّة الفلسطينيّة. يصعب هنا حصر مساره وفكره ومؤلفاته، من «تحت إسرائيل… فلسطين» إلى «ذهاباً وإياباً» سيرته الذاتيّة المحاطة بهالة روائيّة. لكنّ المؤكّد أن هذا «اليهودي الفلسطيني» الذي ودّعه رفاقه خلال احتفال مهيب في مقبرة «بار لاشيز» الباريسيّة، وبينهم إلياس صنبر وليلى شهيد شريكا «مجلّة الدراسات الفلسطينيّة»، هو خميرة نادرة للزمن الصعب. نحتفظ منه بشهيّة الحياة، بنظرة ثاقبة ولغة منمّقة وثقافة كوسموبوليتيّة ووعي نقدي. إنّه من سلالة تنتمي إلى المبادئ وتنحاز إلى الحقّ، بمعزل عن حسابات الربح والخسارة. من تركته نستمدّ القوّة لمواصلة الطريق في موسم العصبيّات والتنازلات لإسرائيل.

يمكنكم متابعة بيار أبي صعب عبر تويتر | [email protected]