لو أنّ ايمي سيزير (1913 ـــ 2008) ما زال على قيد الحياة، لكان عمره اليوم 100 عام. ذاك المُلقَّب بـ «الزنجي الأصلي» توفي عام 2008، من دون التخلّي عن تمرّده رغم التكريم الذي لم تكف فرنسا الرسمية عن إحاطته به. كان رفضه عام 2005 استقبال الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي للاعتراض على قانون 24 شباط (فبراير) الذي يشيد بـ «أفضال الاستعمار»، امتداداً لحياة كاملة كُرّست لـ «قضية السود»، ومزجت في وحدة رائعة التجارب الأدبية الأكثر جرأة في النضال الراديكالي ضد الاستعمار.


وُلِد ايمي سيزير في جزر المارتينيك. بسرعة، نأى بنفسه عما يُسمى «أدب الجزر» الغرائبي الذي كان يدعم ويعزّز باستمرار الإكليشيهات الاستعمارية المبتذلة عوضاً عن النضال ضدها. سعى إلى ربط ثقافة جزيرته الأم بأصولها البعيدة، الأفريقية، وبالثقافة العالمية أيضاً، رافضاً أن يبقى سجينها.
لقاؤه في باريس خلال الثلاثينيات، طلاباً أفارقة آخرين من بينهم ليوبولد سيدار سنغور، كان حاسماً بالنسبة إلى مسيرته. فقد جعله يكتشف في الوقت عينه جزءاً آخر من هويته، الهوية الأفريقية، والوجه المستتر للاستعمار: إنكار ثقافة الشعوب المستعمَرة باسم عالمية غازية ووهمية. وقد مثّل ذلك منطلقاً لمسيرة تزخر بالتزامات مختلفة، أولها الالتزام السياسي من أجل تطبيق الحكم الذاتي في جزر المارتينيك؛ والالتزام الأدبي ضمن حركات ـــ على غرار الحركة السريالية ــ أعلنت تضامنها مع أهل الجنوب بالقوة نفسها التي سعت بها إلى تحرير الأدب العالمي من إرثه الثقيل المتمثّل في «المركزية الأوروبية».
في جزر المارتينيك النائية، وبين صفوف الشتات الأسود الذي لا أمل له بالعودة، أصبح ايمي سيزير أحد أصوات أفريقيا الأصيلة. مثلاً، يحتفي ديوانه «دفتر العودة إلى الوطن الأم» (1939) بهذه القارة، لا كمهد إنسانية بائسة ومسحوقة، تتبدل أغلالها لكنها تبقى سجينة دوماً، بل كبوتقة لثورة سحيقة تختمر فيها رغبة قديمة في الانتماء إلى العالم بشكل آخر غير شكل «الأرض الأولى»، البدائية، شكل خزان العبيد القدامى منهم والمحَدثين.
كان هذا الحبل السري الذي يربطه بأفريقيا إحدى ركائز النشاط السياسي والأدبي لإيمي سيزير، الذي رفض مشاريع دمج «السود الفرنسيين»، وأسّس مع ليوبولد سيدار سنغور صحيفة «الطالب الأسود» L’Etudiant noir في باريس عام 1934. شيئاً فشيئاً، تكوّن مفهوم جديد هو «الزنوجة» الذي سيعطي اسمه إلى حركة فنية كبيرة. وفي عام 1941، أسس مجلة Tropiques (مدارات) إلى جانب كتاب آخرين من جزر المارتينيك، وعام 1947 كانت مجلة Présence africaine (الحضور الأفريقي) تصدر بالتوازي في باريس وداكار.
في عام 1948، شكّل نشر «أنطولوجيا الشعر الزنجي والملغاشي الجديد» الولادة الرمزية لـ «تيار الزنوجة». تلى ذلك عام 1950 كتاب «خطاب عن الاستعمار» الذي سلّط فيه ايمي سيزير الضوء على العلاقة بين النازية والعنصرية الاستعمارية، مثيراً سخط النُخب المحافظة، فيما كان مصير الكوكب بين أيدي القوى العظمى، وجميعها «بيضاء» أوروبية، ذكّرنا بأنّ مناهضة النازية لا تحقّق كمالها الأخلاقي إلا بوعي هذه العنصرية الأخرى المهددة باستمرار رغم إلغاء العبودية... عنصرية يرزح تحت نيرها الرجال والنساء البيض. تفخر «الزنوجة» بالهوية السوداء ببساطة. وفي انتظار أن يرتسم المستقبل كما كان يأمل فرانز فانون من خلال اتحاد جميع «المعذبين في الأرض»، كان ايمي سيزير يحبّ تعريف «الزنوجة» بما ليست عليه، بما ترفضه. لم تكن «الزنوجة» عقيدة عرقية بل صدى قوياً لآلاف التطلعات المكبوتة أو المقموعة. وهي إن تغنت «بالخيال الأسود»، فذلك لم يكن لإعلان تفوقها بقدر ما كان لجعلها تستعيد مكانتها في العبقرية العالمية. كانت الزنوجة، إذا اقتبسنا حرفياً كلمات جان بول سارتر، «إنكار نكران الرجل الأسود». كانت ترد اعتبار «الرجل المجاعة، الرجل الإهانة، الرجل المعذب الذي كان بإمكاننا في أي لحظة الإمساك به وضربه وقتله (...) من دون تقديم أي عذر لأحد». كانت تعلن عن إنسانية جديدة تعلّمنا أنّه من دون أفريقيا والأفارقة المنتشرين في أصقاع الأرض منذ فجر الزمن، لكانت البشرية جمعاء مبتورة، وناقصة وسخيفة.
من خلال جمل واوضحة وشفافة في نصّه «خطاب عن الاستعمار» (1950)، وضع ايمي سيزار اصبعه على تناقضات الفكر الإنساني الكلاسيكي الأوروبي: «يستحق الأمر إجراء دراسة سريرية بالتفصيل حول نهج هتلر والحركة الهتلرية. دراسة تكشف لبورجوازي القرن العشرين، شديد التميز والأناقة والمسيحي إلى حد بعيد، أنّه يحمل في داخله هتلر لا يعرف نفسه، أنّ هتلر يسكنه، أنّ هتلر هو شيطانه (...) وأنّه في الحقيقة، ما لم يغفره لهتلر، ليس الجريمة بحد ذاتها، الجريمة ضد الإنسان بل الجريمة ضد الرجل الأبيض، وإذلال الرجل الأبيض، وكونه طبّق على أوروبا أساليب استعمارية لم تكن تطبّق إلا ضد عرب الجزائر وعمال الهند وزنوج أفريقيا». كلمات نيرة كان يصعب أن تكتب على شاهدة قبره لو دُفن في «البانتيون» (دفن في المارتينيك، وعام 2011 كرّمته فرنسا عبر وضع شاهدة له في البانتيون «مقبرة العظماء») كما رغب الكثير من الفرنسيين، وأعيد بالتالي إلى تلك «الهوية الفرنسية» المفروضة التي كان يقاومها بهويته كـ «أفريقي من المحيط»، متحدر من أجيال من البشر لم يجعلهم نفيُ إنسانيتهم ينسون يوماً طعم الحرية.