القاهرة | المصادفة وحدها التي جمعت بين فعاليتين تنشدان حرية الصحافة والإعلام صباح يوم الأربعاء الماضي، وخطاب الرئيس المصري محمد مرسي الذي هاجم فيه الصحافيين والإعلاميين مساء اليوم نفسه.


فقد عقد «اتحاد الصحافيين العرب» مؤتمراً صحافياً لإعلان تفاصيل التقرير السنوي لحالة الحريات الصحافية فى 18 دولة عربية لعام 2012 ــ 2013، كذلك افتتحت فعاليات ورشة عمل «دور الصحافة في كشف قضايا الفساد»، بالاشتراك بين «المجلس الأعلى للصحافة» و«المكتب الإقليمي للأمم المتحدة» في القاهرة و«اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد» التابعة لوزارة العدل، فيما كان مرسي يصف حرية الإعلام وممارسة سلطته بـ«التطاول والدعوة إلى التخريب والعمل لصالح النظام السابق»، واصفاً إياه بـ«المجرم»، ومتوعداً بملاحقة بعض الإعلاميين والمعارضين في المحاكم العسكرية، كان تقرير الاتحاد يكشف عن تراجع مصر إلى المرتبة الـ158 عالمياً بسبب ما حدث فيها من فراغ قانوني وتعيينات على رأس وسائل الإعلام، فضلاً عن اعتداءات جسدية ومحاكمات متكررة ضد الصحافيين. ورصد التقرير حالات المصادرة والإلغاء، مثل مصادرة وإلغاء جريدة «الشعب الجديد»، والعدد الرقم 1781 من جريدة «الدستور»، وإغلاق قناة «الفراعين» 45 يوماً، وملاحقة عدد من الصحافيين والإعلاميين قضائياً فى دعوى سب وقذف. ومن بين التجاوزات، هناك أيضاً ملاحقة 12 صحافياً بتهمة إهانة الرئيس، إضافة إلى بلاغات رئاسية مباشرة ضد رئيس تحرير «اليوم السابع» خالد صلاح، ورئيس تحرير «الوطن» مجدي الجلاد، ورئيس تحرير «المصري» ياسر رزق، ورئيس تحرير «صوت الأمة» عبد الحليم قنديل، ووكيل «نقابة الصحافيين» جمال فهمي، فضلاً عن محاصرة «مدينة الإنتاج الإعلامي» والاعتداء على الإعلامي يوسف الحسيني ومنعه وآخرين من دخولها. كل ذلك ترافق مع استمرار توجيه اتهامات ازدراء الأديان، وإحالة المبدعين والكتاب على محاكمات لتصدر ضدهم أحكام بالحبس، كذلك استمرت إحالة المدنيين على القضاء العسكري، ليصل عدد من أحيلوا خلال العام الأوّل من حكم الرئيس الإخواني إلى أكثر من 53 قضية.
لم يكتف مرسي بذلك. فقد خصّ بعض الصحافيين والقنوات بالهجوم والاتهام، وعلى رأسهم نقيب الصحافيين السابق مكرم محمد أحمد الذي وصفه الرئيس بـ«الفلول»، متهكماً عليه بالقول: «يعني هو مكرم منذ متى من الثوار؟»، فضلاً عن الهجوم على رجل الأعمال محمد الأمين، وهو رئيس مجلس إدارة شركة «المستقبل» المالكة لقنوات «سي. بي. سي.» وجريدة «الوطن» اليومية، حيث اتهمه مرسي بالتهرب الضريبي، قبل أن يصدر النائب العام قراراً بمنعه من السفر أثناء خطاب مرسي. من جهتها، أكدت «المستقبل» أنّ الشؤون القانونية في المؤسسة تدرس كيفية التعامل القانوني مع الوضع واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة للحماية من التحريض العلني. جاء ذلك فيما أكد مكرم محمد أحمد في مداخلة على قناة «الحياة» أنّه سيلجأ إلى نقابة الصحافيين للرد على التهكم، وتابع قائلاً: «طوال الوقت، أفضّل الحلول الإصلاحية، ومرسي هو المسؤول عن تحويلي إلى ثائر بإصداره الإعلان الدستوري الذي منحه سلطات إلهية».
هجوم مرسي جاء مساء اليوم الذي أعلن فيه مجلس نقابة الصحافيين المشاركة في تظاهرات 30 حزيران (يونيو) التي تطالب بإسقاط النظام وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، وتنظيم مسيرات ترفع شعار حرية الصحافة، وإنشاء غرفة عمليات للإبلاغ عن أي اعتداء ضد أهل مهنة المتاعب في المحروسة. المجلس نفسه أصدر صباح الخميس الماضي بياناً شديد اللهجة ندد فيه باتهامات مرسي، مستنكراً التهكم والسخرية بحق نقيب انتخبه الصحافيون لخمس دورات نقابية وتدخّل طوال تاريخه لمنع المحاكمات العسكرية للإخوان المسلمين، ومعتبراً أنّ في هذا الأسلوب «إفلاساً سياسياً لا يليق بمقام الرئاسة».
وأعربت «اللجنة الوطنية للدفاع عن حرية التعبير» عن انزعاجها من حملة ترويع الإعلاميين، فيما صرّح عضو مؤسس في اللجنة الكاتب يحيى قلاش لـ«الأخبار» بأنّ مرسي أصيب بحالة «ساداتية»، وحاول أن يبدو قوياً «محرّضاً ضد من يكشف ويفضح فساد نظامه»، مؤكداً أنّه تعامل كأنّه «رئيس حزب لا رئيس دولة في مكانة مصر». ورأت لجنة «الدفاع عن استقلال الصحافة» أنّ خطاب الرئاسة «تضمّن اعتداءً سافراً على الصحافة وطعناً في وطنية أبناء المهنة ورموزها». وأشار مقرر اللجنة بشير العدل إلى أنّ العام الأوّل لحكم الإخوان شهد تشريد أكثر من 500 صحافي، رفضت أجهزة الدولة الاستجابة لمطالب تقنين أوضاعهم، كذلك أغلقت 12 صحيفة، وقُدّم قرابة 600 بلاغ ضد الصحافيين، ووقعت 40 حالة اعتداء بدني، فضلاً عن تهديد مقار الصحف والمواقع ومحاصرة مدينة الانتاج.
أما «نقابة الصحافيين الإلكترونيين»، فأصدرت بياناً أكدت فيه أنّ تحريض مرسي «ينهي شرعية نظامه الذي تعهد في البداية بعدم مصادرة الآراء أو قصف الأقلام أو ملاحقة الإعلاميين»، مشدداً على أنّ إهانة النقيب السابق «تهويش» لإخراس كل الأصوات المعارضة وترك الساحة لاستكمال «الأخونة». ورأى «اتحاد صحافيي وإعلاميي الصعيد» أنّ إهانة مكرم محمد أحمد موجهة لكل صحافيي مصر باعتباره أحد شيوخ المهنة ورمزاً من رموزها. وأمس، بادر رئيس «معهد الإذاعة والتلفزيون» جمال الشاعر إلى تقديم استقالته على الهواء مباشرة، في سابقة جديدة على التلفزيون الحكومي، معرباً أثناء تقديمه برنامج «كلم مصر» على القناة الثانية المصرية عن انفعاله بعدما صدر قرار بإيقاف بث برنامجه، وكاشفاً عن الإملاءات التي يقوم بها وزير الإعلام الإخواني صلاح عبد المقصود ورجاله في مبنى «ماسبيرو». وتابع الشاعر قائلاً إنّه: «تحمّلنا عاماً كاملاً من الجنون الإعلامي، والآن نصل إلى هذا القمع وعلى الهواء مباشرة»، مضيفاً: «طول ماحنا تحت إدارة وزير إعلام فاشي وفي ظل الإصرار على أخونة الإعلام المصري، أتقدّم بالاستقالة على الهواء».