ما كان بوسع كتاب ثروت الخرباوي «سرّ المعبد: الأسرار الخفية لجماعة الإخوان المسلمين» (نهضة مصر) أن يُنشر في سياق تجاري أفضل من الذي نُشر فيه. الجماعة تحكم مصر منذ انتخاب محمد مرسي رئيساً للجمهورية في حزيران (يونيو) 2012 وأضواء الإعلام المحلي والعالمي مسلّطة عليها أكثر من أي وقت مضى. لا غرابة إذاً أن يصل عدد طبعات الكتاب إلى 11 منذ صدوره في تشرين الثاني (نوفمبر) 2012. نجاحٌ لم يحظ به كتاب آخر لمؤلفه هو «قلب الإخوان» (2010).


ليس «سرّ المعبد» سيرةً ذاتية تروي التجربة السياسية لهذا المحامي الذي كان أحد أبرز قياديي دائرة «المهنيين» في صفوف الإخوان المسلمين. هو بالأحرى سلسلة من اللوحات والبورتريهات والخواطر والتأملات ترسم معالم ما يطبع الحياة الداخلية لـ«الجماعة» من عتمة وشبه تقديس لمرشدها وصراعات بين أجنحتها المتنافرة تُناقض ما تبدو عليه من تماسك. في سرده، يستعمل الكاتب نبرة روائية، ويختم الكثير من الفصول ختاماً يُفترض أن يحبس القارئ عنده أنفاسه متشوقاً، وتتخلّل روايته للأحداث وتحليلاته السياسية استطراداتٌ طويلة عن اكتشافه طريق الإيمان الحق، الإيمان الصوفي المتجرد من متطلبات السياسة.
يقول ثروت الخرباوي، مستنداً إلى تصريحات ينسبها إلى قياديين إخوانيين (منهم المرشد الخامس مصطفى مشهور) إنّ الجماعة تغلغلت في الجيش والشرطة وأصبحت فاعلة فيهما على أعلى مستوى (الفصلان التاسع والثالث عشر). أخطر من ذلك، يكاد يجزم في مواضع كثيرة بأنّ «تنظيمها الخاص»، أي جناحها العسكري الذي أنشأه مؤسسُها حسن البنا في 1940، أعيد إحياؤُه بأشكال أخرى، فضلاً عن أنّ إيديولوجيته العنيفة يغذيها إلى اليوم تيارٌ يؤمن بأفكار سيد قطب وشكري مصطفى التكفيرية. وللأسف، لا يعتمد المؤلف وهو يعبر عن قناعاته هذه على وثائق أو شهادات موثقة بقدر ما يعتمد على «استدلالاته» واستدلالات كوادر أخرى منشقة ومناضلين من مستواه في الهرم التنظيمي. لا يستبعد أحدٌ وهو يرى العنف الإخواني ضد معارضي محمد مرسي (مثلاً قمع المتظاهرين أمام قصر الاتحادية في 5 ك1/ ديسمبر 2013) أن يكون «التنظيم الخاص» الإخواني الجديد حقيقةً حية، لكن يصعب القول إن الدليل الساطع على وجوده في طيات هذا الكتاب.
لا يبدو أن الناشر سعى إلى التحقق مما ينسبه المؤلف إلى غيره من تصريحات أو حاول إقناعه بالبرهنة على أطروحاته، ما يفسر مجازفة «سر المعبد» بصدقيته وهو يفرد فصلاً كاملاً (12) لاحتمال أن تكون الحركة الماسونية العالمية اخترقت الجماعة بهدف «الانحراف بها عن مسارها الوسطي» لتصبح «داعية إلى العنف، تكفيرية انقلابية» و«يسهل استئصال شأفتها». لا يمكن أن نعي خطورة هذه الشكوك (أو بالأحرى الاتهامات شبه الصريحة) إلا إذا أدركنا مدى مقت الإسلاميين للتنظيمات الماسونية التي يصورونها، مثَلهم في ذلك مثَل أقصى اليمين الأوروبي، عُصَباً شيطانية كل همها هدم أسس الديانات السماوية تحت ستار «الأخوة الكونية». وهنا وجب التنويه بنزاهة ثروت الخرباوي الأدبية عندما أشار إلى أنّ أحمد إبراهيم أبو غالي الذي أقنعه بتغلغل الماسونيين داخل الإخوان المسلمين ويصوّره كأحد أهم الكوادر الإخوانية المنشقة، لم يبن ظنونه على شيء سوى ما رآه من «أوجه شبه» بين التنظيمين، منها سرّيتُهما وطابعهما الدولي بل تسمية أعلى المراتب فيهما بـ «الأستاذية» وشكل شعاريهما «الخاموسي» (الفصل 11).
لا كشف إذن لحُجُب الأسرار في كتاب ثروت الخرباوي رغم عنوانه وما حظي به من احتفاء في وسائل الإعلام المصرية والعربية. صحيح أنّ المؤلف شارك ـ بوصفه كادراً إخوانياً ـ في عمليات سياسية مهمة كثيرة، سواء في نقابة المحامين أو خارجها، إلا أنّه لم يكن عضواً في مكتب الإرشاد ولا في هذا «التنظيم شبه العسكري» الذي يكاد يقطع بوجوده. لهذا، يجب ألا نقرأ «سرّ المعبد» كتأريخ مواز للإخوان المسلمين أو ككنز من المعلومات عن قيادييهم الأحياء والأموات.
لا يعني هذا التحفظ أنّ الكتاب غير ذي فائدة. فضلاً عن كونه مثالاً لما ينبغي تجنّبه عند كتابة «تاريخ موضوعي» من خلال سيرة ذاتية، هو يذكّر بحقائق أساسية عن الحركة الإخوانية نكتفي بإيراد اثنتين منها. الأولى استعدادها للتعامل مع القوى العظمى «الكافرة» لو رضيت باستيلائها على السلطة: في هذا الصدد، يشير المؤلف (الفصل السابع) إلى أنّ عصام العريان كان مكلفاً بالاتصالات السرية «بالإيستابليشمنت» الأميركي، ما قد تكون قرينتُه تحوّل هذا القيادي منذ تنحي حسني مبارك إلى ما يشبه سفير الإخوان المسلمين في الخارج. والحقيقة الثانية المتخفية تحت ركام من البروباغندا عن «وسطية» الجماعة و«اعتدالها» هي أصلها الوهابي إن جاز التعبير. هنا يؤكد ثروت الخرباوي (الفصل التاسع) ما لم يعد له أثر سوى في الأبحاث الأكاديمية أنّ حسن البنّا استلهم عند تأسيسها (1928) نموذج «الجنود - الدعاة» الذين شكلوا رأس حربة إنشاء المملكة السعودية الوهابية الذين كانوا يسمون أنفسهم (يا للمصادفة) «الإخوان».
يوحي صدور «سرّ المعبد» بعد «قلب الإخوان» بأنّ جدار الصمت المحيط بالقلعة الإخوانية بدأ يتصدع وأن شهادات أخرى ستتبعُهما لتثري النقاش عن هذه المنظمة التي لا تزال، رغم إنشائها حزباً علنياً (حزب الحرية والعدالة)، ترفض حلّ نفسها أو تقنين نشاطها بأي شكل. لا شك في أنّ الوضع اليوم موات لكتابة تاريخها بعيداً عن أساطيرها المؤسسة وسِيَر مرشديها الرسمية الشبيهة بسِيَر الأولياء الصالحين، فهالةُ القدسية بدأت تنزاح عنها بعدما كشف وصولُها إلى السلطة عن شبهها بأي حزب حاكم لا يقبل الديمقراطية إلا ظاهراً ولا ينبذ العنف إذا اكتوى بناره معارضوه.