نحن أسرى ماضينا وذكرياتنا، حبيسو صُوَرٍ تُفلتُ من أدقّ عدسات الكاميرات، لتلتقطَها عينٌ داخليّةٌ ثاقبةٌ مرهفة، وتختزنَها، فإذا بلحظةٍ ينوء صاحبها بالذكريات، بثقلها وصخبها. يحاول أن يغادرَها وتأبى هي أن تغادرَه، فلا يجد بوسعه إلا أن يعيد تكوينها بشكلٍ إبداعي، ولعل الورق أوفى من يستقبلها.

تلك حكاية إياد، وقد أنهى سنته الدراسية الأولى في الهندسة المعماريّة في شهر حزيران (يونيو) من عام 2017. أضحت دمشق القديمة متحفاً مفتوحاً يقصده وأقرانَه أنّى تسنى لهم ذلك. كيف لا وقد أمضى سنوات تبلور وعيه أثناء دراسته المتوسطة والثانوية ضمن هامش حركةٍ فرضته أجواء الحرب، فلم يتجاوز المسافة بين منزله ومدرسته ضمن باص المدرسة.
حلّ قيظ الصيف باكراً ذاك العام على من بقي من أهل الشام متزامناً مع شهر رمضان. ما السّرّ في هذه المدينة وأهلها حتى تأبى المِحَنُ أن تأتيهم فرادى؟! ما كادوا يتنفسون الصعداء من هول قذائف أمطرت سماءَهم وعبواتٍ ناسفةٍ لأرواحهم المتداعية على مدى السنوات الماضية حتى بدا يتراءى أمامهم أوضحَ فأوضح شبحُ سبعٍ عجافٍ مقبلاتٍ، وكأنّ السبع السابقات كنّ سماناً مكتنزات!
يختلف أهل الشام على الكثير، لكن لعلّ أبرز ما يُجمع عليه من عرف الشام أيام رخائها الغابرات هو النبض الواحد الذي يعيش عليه أهلها على مدى شهرٍ قمريٍّ اسمه رمضان. يتسابق الممارسون وغير الممارسين لطقوسه على السّواء ليعيشوا شيئاً من أجوائه التي تلمسها أكثر فأكثر كلما اقتربتَ من سور المدينة القديمة، وكلّما أمعنتَ في السير في الأزقّة المختنقة بأسلاكٍ هاتفية وكهربائية تلفُّها لتمدَّها بشيءٍ من الحداثة والاتّصال بعالمٍ خارجيٍّ لا يشبهها بشيء.
يدعو بعض الأصدقاء إياد للمشاركة في مبادرةٍ ليست بالجديدة على المدينة وأهلها لتحضير وجباتٍ لإفطار الصائمين. صائمون باتوا يتقاطرون أكثر من أيّ وقتٍ مضى لأجل «سكبةٍ» يسدّون بها رمقهم عقب صيامٍ ما عاد محصوراً بالشهر الفضيل. يتجمع الشبان والشابات في محيط الجامع الأموي ويتقاسمون أبسط مراحل تحضير الطعام حتى اكتمال المهمّة، وأنيستهم جوقات طيور الحمام التي باتت معلماً لا ينفصل عن باحات الجامع وأسقفه وأعالي جدرانه، ترقب ما يجري بصمتٍ وتحفظ ذاكرة مدينةٍ وناسٍ شاركوها شيئاً من حبوبهم فباتت وليفتهم حتى انقطاع النّفَس. هو أحد قوانين الكون المؤلمة، أن تجدَ الطيورُ ما يطعمُها ومن يطعمُها في كلّ الأوقات، بينما تستر جدران المنازل المتشققة والمتداعية على مدى العام بطوناً جياعاً منعتها عفّة النّفس من السؤال.
«مدينتي تطعم الطيور» كانت واحدةً من اللوحات الإحدى عشرة التي افتتح بها إياد أبو سمرة معرضه الفرديّ الأول في باريس أول أيام خريف هذا العام تحت عنوان «هيتروتوبيا الخريف». والهيتروتوبيا مفهومٌ عائدٌ للفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو في وصف مزيجٍ من الجغرافيا والفضاءات البشريّة الحسيّة والعقليّة ضمن حالٍ من استقلالية الأماكن والفراغات عن محيطها حين لا تكون هنا ولا هناك. في فضاء لوحة «مدينتي تطعم الطيور» تجسيدٌ لحال النقيض في مدننا، إذ تجمع في مشهديّةٍ واحدةٍ سطوةَ المدينة وجوعَ أبنائها، فيما تعيش الطيور في رخاء ذات الأرض وذات المدن في رقصةٍ سرياليةٍ يهتزّ لها كيان المنطق.

لوحة «المدينة أسيرة معموديتي»

أمّا ثاني لوحاته فكانت بعنوان «المدينةُ أسيرةُ معموديّتي»، وفي المعموديّة هنا نسبةٌ للنّاسك السرياني سمعان العمودي، وإليه تُنسب طريقة التنسّك على عمودٍ حجري كأسلوب في السموّ والارتقاء قرباً من الخالق وبُعداً عن الخلق، وذاك ثاني مواضع التناقض بين غاية المدينة والوظيفة المنتظَرة منها بالتماهي مع أهلها وناسها.
المدينة في لوحات إياد أبو سمرة ممثلةٌ بأنثى قويةٍ مهيبةٍ ذات سطوة، جذورها ضاربةٌ في الأرض وسط محيطٍ من ركامٍ وخراب، وهو ما يظهر جليّاً أكثر وأكثر في لوحة «أفروديت بين الركام». تتشارك بقية اللوحات بعنصرين أساسيين، معماريٌّ وطبيعي: أوّلها عمود إنارة الطرقات، وثانيها شجرةٌ تتداخل مع عمود الإنارة بساقها وأغصانها وجذورها، لينقلَ لنا في كلّ لوحةٍ منها أحداثاً تجري داخل أثاث المدينة وفي محيطه الخارجي، فتارةً يكون عنصر الإنارة هذا بجماليته وأناقته حبساً، وطوراً مهرباً من خوفٍ يتمثل بقناديل البحر التي طغت في إحدى اللوحات على الفراغ الداخلي لحجرة الإنارة في العمود، في حين ظهرت في أخرى كمجموعاتٍ في هجمةٍ على من وجد في حجرة الإنارة ملاذاً له. وغير ذلك من حالاتٍ من «الحزن» و«الغفران» و «الخلاص» و«النّدم»، وكلّها أسماء لوحاته التي حكت كلٌّ منها مشاعرَ وسردياتٍ تكوّنت منذ خريفٍ مضى حتى خريفنا هذا الذي فتح لنا فيه إحدى عشرة نافذةً على هيتروتوبيا دمشقية تخرج في قوانينها الفيزيائية عن منطق عالمنا الذي نعيشه.
تم اختيار لوحة «مدينتي تطعم الطيور» من قبل اللّجنة المنظِّمة لمعرض فناني بلديّة الدائرة الثالثة عشرة في باريس Cercle Municipal des Goblins et des Beaux-Arts للمشاركة في معرضها السنوي في مبنى البلدية والذي اختتم قبل أيام، لتفوز اللوحة بالجائزة الأولى عن فئة المواهب الشابّة وتتم دعوة الفنان ذي الأربع والعشرين عاماً للمشاركة في النسخ القادمة من المعرض عن فئة الفنانين المتمكنين.