كما توقّعنا، حصد فيلم «19 ب» جائزة أفضل فيلم عربي في «مهرجان القاهرة السينمائي» (إخراج أحمد عبد الله وإنتاج محمد حفظي) إضافة إلى العديد من الجوائز الأخرى باعتباره شريطاً يجترح لنفسه موقعاً مختلفاً على خارطة السينما المصرية، ويقرر أن يخلق حكايته في مكان واحد لا تغادره الكاميرا تقريباً، فتضيق المساحة، لكن الأفق أمام عدسة المخرج يبقى متسعاً لصوغ حالة سينمائية ملفتة، وترك الفرصة أمام ترميز ودلالات تعتبر مبدئياً مفاتيح ثابتة في صناعة المادة الفنية. مع ذلك، يتنصّل المخرج تماماً من أي رغبة في الترميز ويعتبر صراحة في تصريحه لنا بأنه بعيد عن هذه الطريقة التي لا يحبّها أصلاً!

تدور أحداث الشريط حول حارس عجوز يعيش في فيلا متداعية ومهجورة يعتبرها بمثابة منزله لأنه اشتغل فيها ناطوراً منذ زمن طويل، وظلّ يتقاضى راتبه عن طريق المحامي الخاص بالعائلة! لكنه فجأة يصبح مهدداً بسبب شاب يعمل في الشارع المقابل، وهو ما يجعل الحارس مضطراً لمواجهة مخاوفه. مرّة من خلال ردّات فعل انفعالية بسبب تعدي شباب الحي على حيواناته التي يربّيها ويعتني بها، ومرّة ثانية من خلال ترك المياه مفتوحة على البضاعة التي خزّنها الشاب في الفيلا، وثالثة من خلال طلب النجدة من المحامي بعد محاولته الخاوية للعثور على ورثة صاحب الفيلا. لكن المفاجأة بأن المحامي سيزوره استجابة للعشرة، ويخبره بأنّ عليه أن يحاول الافادة من المكان لأن أصحاب المطرح المهجور والمتهالك لم يسألوا فيه منذ زمن طويل، وأنه هو من واظب على دفع راتبه من جيبه الخاص. الكلام يقال على مسامع الشاب الذي يبتسم للفكرة ويمعن في محاولة الافادة من المكان بعد اعترافه الصريح للرجل المسنّ بأنه لم يحاول أذيته رغم معرفته الصريحة بأنه يقف عثرة في درب رزقه.
يحيلنا مسرح الأحداث وهو البيت المتداعي والمتهالك نحو مآلات عدّة أبرزها جزء من المجتمع المصري والعربي عموماً، كوننا بلاداً تعيش ظروفاً شبيهة، وربما صار يأكل بعضنا الآخر حتى يستمر! يأخذ صناع الفيلم الرواية نحو مطرح له علاقة بفلسفة الرفق بالحيوان ومنطقية نأيها عن فكرة مغلوطة دارجة يعتقد أصحابها أنها ذريعة لأذية الحيوان وهي «أن البشر تموت من الجوع والفقر والحروب فكيف لنا أن نهتم بالحيوان».
اللافت في الفيلم كان الأداء الجذاب لبطله المطلق الممثل المصري سيد رجب. يقطر الرجل بسويته الأدائية صدقاً، ويقبض بإحكام على التماسه العميق لروح الشخصية. الخيار الإخراجي لرجب حقق معادلة ذكية للغاية. ملامحه توحي بالفقر والسحق لكّنه يعرف كيف يوظّفها ببراعة مرّات كثيرة أحالها نحو الشر، لكّنه هنا أجاد حسب مقاييس وتقديرات مضبوطة بعناية ساطعة، طرحها على أنه هنا: الرجل الطيّب المسنّ الذي تفلت أعصابه منه بلحظة معينة، فينتبه عند الذروة أنه أضعف من أن يفعل شيئاً! ويتراجع، متكئاً بكل ذلك على حركة جسد بارعة وماهرة في صوغ الدلالة الكافية، فيما يوغل في سبك المأساة الحياتية المطحونة التي يعيشها بتعابير وجهه التي تتباين، مرّة من الخوف لمواجهة الاب القوي وأخرى تصير مترفة بالحنية لدى تعاطيه مع ابنته الوحيدة التي تزوره في مكانه المترنّح والآيل نحو السقوط... يبحر بمزاجه عالياً، وبعينين تقطران حدساً عند انسجامه مع أمهّات الأغاني الطربية التي كان يستمع لها. طبعاً رغم المقدرات التمثيلية الصريحة لدى سيّد رجب، لكنّ أحمد خالد الصالح لم يكن إلا ندّاً حقيقياً لا يقلّ أهمية من ناحية الصراع والتناحر على مستوى الشخصيتين. لعل المطرح الذي يبدو هنّة صريحة في الشريط يتمثّل في الحدث الكليشيه والخط البياني الأفقي للتصاعد الدرامي في كثير من الأحيان، إلى درجة أنّه كان لا بد إما من اختصار الوقت أو خلق أحداث جانبية وشخصيات ثانوية تدعم الحدث الجوهري وتقوّيه!