الجزائر | السرقات الأدبية في الجزائر تشبه كثيراً المادة القابلة للاشتعال، ففتيلها موصل دائماً بمادة تنذر بانفجار في أي وقت. تشهد الساحة الأدبية من حين إلى آخر إثارة هذه المسألة، التي يبدو أن إيجاد حل لها ليس ممكناً بالنظر إلى الظروف المحيطة بها، فلا المبدعون التزموا حدودهم، ولا المراقبون وضعوا القواعد الضابطة للنشاط، ولا القانون فصل نهائياً في ما يخص الجدالات والسجالات المتكررة. هكذا، يتواصل الجدل العقيم بين الضحايا و«اللصوص» المتهمين حول مسائل التناص والتأثر والتشابه والتطابق، خصوصاً في عصر النشر الرقمي للنص الإبداعي المتناثر هنا وهناك عبر الإنترنت، ما جعل النص سائلاً بشكل غير مسبوق. كأن الأمر يتعلق بإبداع مشاع ومتاح يحق لأي كان أن يستفيد منه بل حتى نسبُه إليه، في عمل بعيد كل البعد عن الأخلاقيات.


(freepik.com)

يعتبر فايسبوك وسيلة وأداة لإثبات «جريمة» السرقات الأدبية في عصر الرقمنة. إذ كشفت آخر حلقتين من هذا المسلسل الطويل في الجزائر أنّ الموقع الأزرق كان مسرحاً للجرم المشهود، وهذا ما يثير من جديد قضية السطو على المحتوى الرقمي.
رواية «العواصف الرعدية» Orages للكاتبة هدية بن ساحلي (جائزة يمينة مشاكرة 2020) الصادرة عن منشورات «فرانس فانون» (صاحبها اعمر إنقراشن) اتُّهمت بالسرقة الأدبية، إذ أكدت الشاعرة نادية بلقاسمي، التي تعودت على نشر نصوصها الأدبية على فايسبوك منذ سنوات، أنها اكتشفت أن نصاً من نصوصها ورد في الكتاب. وقالت إنّها بدأت قراءة العمل قبل شهرين و«أحببت كثيراً الفصلين الأولين وأخبرت حتى الكاتبة عن ذلك عبر الخاص». وتضيف: «لكن منذ الصفحة 107، شعرت أن الأمر ليس عادياً، وأن الكتابة هنا مألوفة جداً على عكس البداية، لكن قلت في قرارة نفسي، الرواية طويلة قد يكون لدينا فترات فراغ، العزلة والضجر، وقليلون هم الأدباء الذين يتفادونها، إلى أن وصلت إلى الصفحة رقم 143 لأجد النص الذي كتبته ونشرته على صفحتي على موقع فايسبوك منذ سنوات. قلت هذا غير معقول، يوجد فعلاً خطأ ما، فعدت إلى منشوراتي القديمة وأعدت القراءة كلمة بكلمة وحتى علامات الترقيم».
وبالنظر إلى هذا، تؤكد المعنية أنّها ضحية سرقة أدبية وأن الكرة الآن في ملعب المعنيين «كيف يستطيعون تقديم نص مطابق لنصي، علماً أن الإنترنت سجلت التاريخ الحقيقي لمشاركة نصي عبر الصفحة وتعليقات أصدقائي توثق الأمر منذ ثماني سنوات، وتأكدوا أنني أقول الحقيقة ولن أسكت».
قبل أن تقدم هدية بن ساحلي اعتذاراً للروائية نادية بلقاسمي على سرقتها، كان الناشر عمار إنقراشن قد حاول تبرير السطو بالرد على الجدل عبر صفحته الافتراضية. إذ كتب: «الاستلهام من تصريحات الغير للكتابة، أو نقل فقرات أو جزء، ومحاولة تقليد كاتب معين وغيرها من أساليب الكتابة... كل هذا يسمّى «التناص» في الأدب»!
في السياق نفسه، فجّرت مسابقة «شيرين... قصيدة» التي نظمتها «الاتحادية الجزائرية للثقافة والفنون»، وفازت بها الشاعرة شامة درويش، قنبلة سرقة أدبية جديدة، بطلها الشاعر ياسين بوذراع نوري، الذي أكد أن القصيدة المتوّجة مسروقة منه، قبل أن تصدر الاتحادية بيانين منفصلين (بل متضاربين) عن القضية! في البيان الأول، أوردت أنّها «تسجّل رفضها الشديد للتعميم المقصود الذي طال شرف الشاعرات الجزائريات من خلال منشورات فايسبوكية مغرضة تسيء إليهن وإلى شرفهن من خلال التشكيك في كتاباتهن الأدبية، النثرية والشعرية. إن لجنة التحكيم التي أعلنت عن نتائج مسابقة «شيرين ... قصيدة»، كانت قد اتخذت قرارها بتتويج أربعة شعراء (3 بالعربية وواحدة بالأمازيغية)، بكامل الشفافية التي سمح بها قانون المسابقة الوطنية، الذي اعتمد ترقيم النصوص وحجب أصحابها. ولذا فإنه لا مجال لسحب أي جائزة فاز بها نص من النصوص المعلن عن تتويجها، وقرار اللجنة هنا غير قابل للطعن أو التراجع عنه إلا إذا ثبت بالدليل القاطع أن أحد النصوص الفائزة هو نص مسروق».
فايسبوك أداة لإثبات «الجريمة» في عصر الرقمنة

أما البيان الثاني، الذي جاء بعد أيام على الأول، فقد دعت فيه الاتحادية «مختلف الجمعيات الثقافية والأدباء والمبدعين إلى التعاون معها في أي مبادرة أو اقتراح يتقدم به نقاد أو شعراء أو روائيون من أجل استغلال النقاش الدائر حول مسألة السرقة الأدبية للبحث في كيفية مواجهة هذه الظاهرة ومجابهة أصحابها مستقبلاً. يجب أن لا تمر حادثة السطو على المجموعة الشعرية للشاعر ياسين بوذراع نوري مروراً عابراً من نتائجه فقط (رغم أهمية الحادثة) تعليقات فايسبوكية مختلفة الدوافع والأغراض وإن اتفقت في إدانة الفعل المخل بأخلاقيات الكتابة والإبداع. إن «الاتحادية الجزائرية للثقافة والفنون» تدعو إلى صياغة أرضية صلبة تهذب ردود الأفعال المنشورة وتنقحها».
من جهتها، اعتذرت الشاعرة شامة درويش المتهمة بالسرقة الأدبية من صاحب القصيدة، معتبرة أنه مجرد «تأثر وتداخل في المعاني والكلمات».
عن الفرق بين الاقتباس والسرقة الأدبية، يقول لنا الأكاديمي في جامعة الجزائر أحمد عظيمي إنّ الأول يستفيد من مرجع معين أو وثيقة معينة ويقتطف فقرة أو أكثر وينقلها حرفياً أو يعيد صياغتها مع ذكر المرجع كما هو معمول به. أما السرقة الأدبية فتختلف عن الاقتباس في كون اللص يسرق أفكاراً أو جملاً أو فقرات أو حتى صفحات من كتاب أو مقالاً أو وثيقة مهما كان نوعها (مكتوبة، سمعية أو سمعية بصرية) من دون ذكر المرجع. نلاحظ إذن بأنّ الفرق كبير بين الاقتباس وفق الطرق العلمية وبين السرقة العلمية». ويضيف أنّه بالنسبة لتفاقم السرقات مع الانتشار الواسع للنشر الرقمي عبر الإنترنت، «نلاحظ بأن هذه الوسيلة تسببت فعلاً في توسيع دائرة السرقات العلمية، لكنها تساعد أيضاً في اكتشاف هذه السرقات. سابقاً، كان لصوص الفكر يسافرون إلى أوروبا وأميركا، فيشاهدون أفلاماً ويستمعون لمقاطع موسيقية ويشترون كتباً ويطلعون على أطروحات. وحين يعودون إلى بلدانهم، ينتجون أفلاماً ومعزوفات وكتباً».