اللغة ليست مجرد ناقل للكلمات فحسب، بل ما يتجاوز ذلك، لذا وضعها جاك لاكان تحت مشرط التحليل النفسي، وأعتقد أيضاً أن أي عمل أدبي يذهب بعيداً في شرح فكرة الرواية من خلال اللغة نفسها، أو بعبارة أخرى عندما تكون اللغة بحدّ ذاتها فكرة الرواية، أكيد سيكون العمل صعباً، لأنه لا يتعامل بسطحية مع الشخصيات، بل من خلال اللغة يحلل أفكارهم، آراءهم وكل ما يتعلق بهم، لنخلص في الأخير إلى عمل أدبي يقول ما لم تذكره الشخصيات، بل لمحت به عن طريق اللغة. إذ نعتقد أحياناً أن اللغة هي كل ما يذكر حرفياً، لكنني أرى أنها كل ما لا يقال، فالكتاب الذين يتعاملون بحذر شديد مع يكتبونه، في العادة يقدمون نصوصاً تستند إلى رؤية عميقة، وصادمة في الوقت ذاته، ذلك أن الحقيقة في الأغلب صادمة، واللغة أمام الحقيقة صادقة.

وهذا برأيي من النقاط المهمة التي تعرضت لها رواية «حب» للروائية الإسبانية سارة ميسا التي رشحت كأفضل رواية إسبانية في ٢٠٢٠ وفقاً لصحف «إل باييس» و«لابانجوارديا» و«إل كولتورال» و«إل كوريو». وها هي تصدر عن «دار أثر» السعودية ،إذ نقلها إلى اللغة العربية المترجم المصري محمد الفولي، فهل نجح الفولي في التعامل بحذر شديد مع لغة سارة ميسا؟
أعتقد أن الإجابة عن هذا السؤال تتضمنه الرواية التي قد تبدو للقارئ في البداية أنها عن «الحب» كما نتصور، لكنها رواية عن كل ما لا يمكن أن نتصوره عن الحب، ففيها تجسيد لنوع آخر من الرعب الذي لا نلمس له وجوداً كما ألفنا أن نقرأ، إنه رعب يتخفى خلف اللغة. فهي رواية الذات، والعلاقات المشوهة، عن البحث عن لغة يمكن من خلالها أن نعثر على حقيقتنا من نحن وماذا نريد، وهل في المقابل أعطتنا الحياة ما نريده، وعندما نفقد الشغف والحب، هل يمكن أن نكتفي بما نتوهم أنه لربما تعويض عما فقدناه.
فنات بطلة الرواية هي تجسيد لما يمكن أن تتعرض له المرأة المستقلة في المجتمعات المنغلقة، لكن في المقابل هي رواية عن نات نفسها. إذ نلحظ كأنها تعاني صراعاً داخلياً حتى مع نفسها، كأنها عدوة نفسها بطريقة ما. كأنها تريد أن تكون مستعبدة أي الاستعباد الطوعي، فهي تنظر إلى نفسها أنها لا تستحق أو تشعر بعدم الاستحقاق. كأنها دائماً في حاجة لتبرير تصرفات الغير السيئة معها. يشعر القارئ أنّ حبيبها الألماني شاركها الغربة اللغوية، فهو صامت، ولا شيء يميزه، لكنها تعثر من خلاله على سلام ما، لربما صفاته تشرح أكثر شخصية نات التي تشعر أنه لم يحصل على امرأة لذا اختارها، فتخلص «إلى عدة أمور وتشعر بالبرد. إنه برد حاد ينبعث من داخلها، من نقطة واقعة بين عظم القص في صدرها وعمودها الفقري. أندرياس موجود معها؟ لأنه لم يحصل على شيء أفضل؟ لأنه لم تكن هناك واحدة أخرى في متناوله؟».
بدت لي اللغة في رواية «حب» ككائن متوحش يكشر على أنيابه استعداداً للإنقضاض على فريسته، فسارة ميسا لم تعتمد على القصة وحدها لتخدم موضوع روايتها، بل اعتمدت على اللغة الصامتة، المتحدثة، اللغة غير المفهومة، التي تبدو في غالب الأحيان سبيلاً آخر للفهم، فبطلة الرواية نات هربت من سوء فهم أو ذنب ما، بحثاً عن السكينة في قرية إسبانية اسمها «لا إسكابا». ويبدو أن اسمها مشتق من الهروب أي أنّها هربت من شيء ما، تحاول العثور على بداية جديدة بعيداً عنه، إذ «تفضي بعض الأخطاء إلى صواب؛ إلى تغيير مجرى الحياة، بل وحتى إلى وقوع انكشاف جديد. أليس وجودها هنا لتبدأ حياة جديدة صائباً؟».
لكن لا إسكابا عمقت إحساسها ذاك، بداية من ترحيب صاحب المنزل الغريب. إذ أهداها كلباً، ونحن نعرف أن الأوروبي محبّ للحيوانات فما معنى أن يمنح كلبه للغريبة؟ كأن الكلب سييو جاء ليشاركها هذا المنفى، ولربما تمسكت به لأنها وحيدة في «هذا المكان الذي فيما يبدو كأنها منبوذة فيه أو غريية لأنها امراة عزباء، تعيش لوحدها في ذلك المنزل. هنا لا نعرف هل تصرفات الغير معها انطلاقاً من تصورات سابقة عن صاحب المنزل وتأجيره لذلك المنزل السيء الذي لم يساعدها في جعله على الأقل صالحاً للعيش؟ أم أن المرأة العزباء في كل مكان وتحديداً أجواء القرى ينظر إليها بالنظرة الدونية نفسها؟ ذكرني قدوم نات إلى لاسكابا بصورة بيرغمان في فيلم Stromboli، إذ تهرب البطلة كاريين من الحرب بحثاً عن مكان يضمن لها حق العيش، لتجد نفسها في إيطاليا في مخيّم اعتقال. تتعرف هناك إلى شخص تحاول خلق أو صنع علاقة حب هروباً من معاناتها، لكنها في المقابل تجد نفسها معه في الجزيرة البركانية حيث تعاني نفس معاناة نات، أي حاجز اللغة وقسوة الحياة، خاصة بالنسبة للغريب.
لكن في رواية «حب»، يصبح الكلب رفيقاً لنات بل يشاركها ألماً خفياً يصعب الحديث عنه، لكننا نشعر به من خلال اللغة الصامتة. بالنسبة لها: «عدم التفكير هو التصرف الأمثل، لكن الأفكار تصل إليها، تتسلل إلى داخلها، وتترابط في ما بينها. تحاول إخراجها بنفس سرعة دخولها، لكنها تتراكم هناك، في الداخل، فكرة فوق الأخرى، لأن إصرارها- أي اجتهادها للتحكم في دخولها، خروجها ومنع تراكمها - بحدّ ذاته فكرة شديدة الحدة على رأسها».
من خلال عملها هذا، أرادت سارة ميسا القول إنّه حتى لو كان الجميع ضدنا، لا يهم. المهم أن لا نكون ضد أنفسنا، أي نتصالح مع ذواتنا بالشكل الكافي ونغفر لأنفسنا قبل الآخرين. فلا يمكن أن نجد سبيلاً الطمأنينة إن أهملنا أصواتنا الداخلية. لذا ركزت سارة ميسا على اللغة والترجمة، بل تكاد تكون اللغة الشفرة التي نفكك من خلالها ما لم تقله سارا ميسا، إذ تقول: «إنه يتحدث بطريقة مختلفة. لا نفهم بعضنا. ألم تدركي الأمر؟ - هذا الرجل لا يفهمني. - هل تتحدثين عن زوجك؟ إنه بالطبع يفهمك! - لا. هنا، في هذا المكان، ما من أحد يفهم الآخر. - حسناً. إنه أمر شائع في كل مكان. - وفي لا إسكابا بصورة أكبر؛ أكبر بكثير. ألم تري أنه لم يولد أحد هنا؟ الكل جاء من الخارج. كل واحد يتحدث بلغة مختلفة: بالإنكليزية، بالفرنسية، بالألمانية، بالروسية، بالصينية»
وبحكم أن نات بطلة الرواية مترجمة، فهي ترى أن: «اللجوء إلى ترجمة حرفية، مع عدم الاعتناء بفهم الروح الأصلية للعبارة، سيبدو كالاحتيال». في النص عبارة عميقة تقول: «إنه ذلك النوع من السعادة التي تحتضن بين ثنياتها بذرة دمارها». لكن ذلك لم يمنع سارة ميسا من القول إنه «في لحظة الغروب، حينها تختفي ملامح محيطها، وتتضاعف الصبغة الذهبية للضوء، تعثر على نوع من الجمال يمكنها أن تتشبث به».