يموت المبدع مرتين أحياناً! الأولى تكون أكثر قسوة وأشد وطأة وأبلغ أثراً، عندما يحاصر بالمنع والإقصاء والتهميش! أما الثانية فربما تكون خلاصاً من وجع طالما أنها سنّة الكون وحقيقة الدنيا المطلقة. هكذا، كانت الحال مع المسرحي والشاعر والسيناريست غسان الجباعي (١٩٥٢ــــــ ٢٠٢٢) الذي انطفأ صباح اليوم في مدينته السويداء بعد حياة حوصر فيها بالاعتقال والمنع من السفر والإقصاء! كأن الراحل يعيد على مسامعنا اليوم كلمات قصيدته التي قال فيها: «أولئك الذين يموتون في غفلة عنّا يكبرون خلسة في القبور. ترى، بماذا يفكّرون؟ هل هم متشائمون، هل يحلمون حلمنا، أم الأحياء فقط، يتشاءمون ويحلمون».

المؤسف بأن رحيل الرجل الذي ناضل في حياته انسجاماً مع فكره وموهبته، لم يعن الإعلام السوري بشيء، بل ظل يغطّ كعادته في سباته الأزلي، ويتخلى عن مسؤوليته تجاه هذه الأخبار التي يفترض أن تكون واجباً مهنياً تملي عليه الاحتفاء الأخير برجل بقي وفيّاً لمبادئه! أما المنصات والمواقع الفنية فهي مشغولة في غالبيتها بأخبار ساذجة تخص زواج وطلاق النجمات وحفلات النشاز.
على أي حال، لن يعني هذا الأمر شيئاً لميّت لم تنصفه الحياة! رغم أن غسان الجباعي كتب وأخرج وألف أعمالاً فنية مهمة جداً لكنّه أمضى مجبراً قسطاً من حياته في الظل. بعد دراسته الأدب العربي، سافر إلى أوكرانيا ليدرس في «معهد كاربينكا كاري» الحكومي في مدينة كييف من عام 1975 لغاية عام 1981. في العام نفسه، حصل على شهادة الماجيستير في الإخراج المسرحي. وبحسب المعلومات الوافية التي نشرتها شبكة «الراصد» الإعلامية، فقد ولد الجباعي المنحدر من محافظة السويداء في ريف دمشق في مدينة قطنا. اشتغل في المسرح ممثلاً ومخرجاً، ثم مدرّساً في المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق لمادتي التمثيل ومبادئ الإخراج والمختبر المسرحي. أنجز نصوصاً ودراسات مسرحية وروايات وألف كتاباً عن العلاقة بين الثقافة والاستبداد. علماً بأنه عانى بعد عودته من كييف لاعتقال دام من عام ١٩٨٢ ولغاية ١٩٩١ على خلفية آرائه السياسية. أخرج عروضاً مسرحية وكتب مسلسلات تلفزيونية بعضها كان بمثابة تجارب تأسيسية لانطلاقة الدراما السورية الواسعة مثل: «تل الرماد» و«بقايا صور» عن رواية حنا مينه و«رمح النار» (الأعمال الثلاثة إخراج نجدة أنزور). كما كتب مسلسل «عمر الخيّام» (إخراج شوقي الماجري)
في حديثه معنا، يردّ شقيقه الممثل والمخرج المسرحي سهيل الجباعي على كلمات العزاء بثبات، ويؤكد بأنه خسر اليوم أستاذه الأوّل فيما يوضح بأن نتيجة الظروف التي تعيشها مدينته السويداء ستتلقى العائلة العزاء في السويداء أولاً ثم في دمشق في موعده يحدد لاحقاً.