لعلّ ما يُعيق كل محاولات الإفلات من الاحتكار ومواجهته المباشرة هي اكتساحه معظم مجالات الحياة، إن لم يكن كلّها. على أرض الواقع، لا يمكن تشبيه الاحتكار بقوّة مضادّة تصدُّ تدفّقاً حيويّاً معيّناً، بل هوّة عميقة تسقط فيها مختلف ميادين الحياة من اقتصاديّة، وماليّة، وصحيّة... لعلّ الاحتكار الثقافي أكثر الأنواع تشرذماً وتشابكاً مع أقرانه، ليس بشكل ضمنيّ يُستنتج أو يُكتشف بدراسات تصوريّة ومجرّدة، بل بطريقة مباشرةٍ تُجبر الباحث على حلّ المعضلة، على التغلغل طوعاً في الأزمة المُعاشة حتّى الأعماق، معالجاً ليس الجانب الثقافيّ منها فحسب، بل أيضاً كلّ ما يقف في دربه من عُقدٍ وتساؤلات وتصرّفات شاذّة متشعّبة التوجّهات.



إذا عُدنا إلى تشريح الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو للثقافة، يمكننا ـــ ولو بشكل مقتضب ــــ فهم السبب الأساسي، لكن ليس الوحيد ربما، لتغلغل الاحتكار الثقافي في المجتمع. يقول فوكو في تعريفه للثّقافة بأنّها «تنظيمٌ هرميٌّ للقيم». بناءً على ذلك، تتّضح أكثر فأكثر عمليّة الاختيار والتطهير الثقافي، الميكانيكي إلى حدّ كبير، تبعاً لما تمليه القوى والمؤسّسات المُترجِمةُ للسلطة في المجتمع. قوى يحدّدها فوكو لاحقاً كالمصانع والمعاهد التعليميّة والسجون. من هذا المنظار، فالثّقافة هي ترجمة عمليّة اجتماعيّة لا تتميّز عن غيرها من الهيكليّات في المجتمع. هي خاضعة مباشرةً للوضع الرّاهن من دون أيّ اعتراض جوهري. لذلك، يصعب على كلّ من يحاول فهم الواقع الثقافي لمجتمع معيّن أن يفصله عن إطاره الاجتماعي الكامل والمتكامل. في الحقيقة، يمكننا اعتبار الثقافة إنساناً حيّاً يتأثر بالوضع الحاليّ ويتغيّر معه، خاضعاً لسلطات القرار والحكم، ومنفتحاً وعاشقاً في الوقت عينه، على كل ردّة فعل ومحاولات ثوريّة، فوضوية كانت أم منظّمة، فرديّة كانت أم جماعيّة، لكسر هذا الاحتكار الخانق.
للسّنة الثالثة عشر على التّوالي، تحمل ساحة ميدان إهدن (شمال لبنان) اسمها بكل ما للكلمة من معنى. ها هي، مجدداً، ساحة معركة بين التّعطش الثّقافيّ الدّائم وزوبعة الاحتكار. «معرض إهدن للكتاب»، الذي يستمرّ حتى 14 آب (أغسطس) الحالي، يفرض إيقاعاً وقواعد جديدةً للعبة، منصفاً أولئك الذين حرمهم شبح الأزمات مرادهم وإشباع تعطّشهم للمعرفة. هو التعطّش نفسه الذي أوجد مجد بيروت الثقافي وهالتها المشعّة، ليس فقط على الصعيد الوطنيّ، بل على النّطاق العربي والدوليّ على حدّ سواء، مكرّساً بيروت «عاصمةً للثقافة» للوطن العربيّ الأسير. هو التعطّش عينه الذي يسعى اليوم إلى كسر حركة الاحتكار هذه. وأولئك الذين، يبنون أسواراً حول قلاعهم العالية، نسوا أن الثقافة التي يروّجون لها على نطاقهم الضيّق – وإن كان واسعاً جغرافياً- ليس وسماً لطبقة أو مجموعة محدّدة من الناس تدّعي نشر الحرّية بالثّقافة. فالحرُّ هو كلّ من يأبى الخضوع للأزمة، وكلّ تدابيرها الضّاغطة، وكل من يرفض سلطة البنزين عليه، وكلّ من يعاند أمام قوائم الكتب وأسعارها ويشتمها قائلاً: «سأقرؤكِ نسخة pdf مجانيّة يُوصلها بطل حرّ مقاوم لكلّ تلك الأنفس الجائعة»، وكلّ من يقول في سرّه: «تلك ليست ثقافةً، تلك سلطة».


ما يطرحه معرض الكتاب في إهدن، هو كسر للاحتكار الثقافي، فتوقيع الكتب وجلسات القراءات المطوّلة لن تكون الحدث الأبرز كما جرت العادة، بل إنّ هذا المعرض كناية عن مأدبة اجتماعيّة ثقافيّة تنبض حياةً. هذا ما يتّضح من النّقاشات واللقاءات التي تقارب العديد من المسائل والمعضلات التي تُطرح في حياتنا اليوميّة في ظلّ الأزمة الراهنة. حين نسأل نزار عاقلة، أحد منظمي المعرض، عن تكاليف الأخير خصوصاً نظراً إلى مدّته الطويلة، يجيبنا بأنّه لا يختلف عن أي مشروع آخر، فقد حددت تكاليف المعرض بالدولار الأميركيّ، شاملةً معها أتعاباً رمزية للموظفين شبه المتطوعين. ويشير إلى الدور الكبير الذي لعبه أصدقاء المعرض، قدامى المتطوعين والمنظمين الذين يدعوهم اليوم «مغتربين»، في تغطية أكثر من ثلثيّ المجموع العام للتكاليف، فيما يبقى الجزء الآخر رهن مساعدات متشعّبة الأشكال من هنا وهناك. وفي ما يخصّ مبادرة تزيين المعرض بلقاءات حواريّة وتوفيره مساحة حرّة لا سوق أفكار وآراء معلّبة ومجهّزة، يؤكد عاقلة بأن جميع هذه الحلقات سيقوم معظمها على نقاش دائم ما بين الجمهور والمتحاورين وكلّ الأسئلة التي تدور في أذهانهم. أما في حقل الكتب، فيشدّد عاقلة على التنوّع الكبير الذي يشهده المعرض من دور نشر لبنانيّة وعربيّة. ولدى سؤاله عن أسعار الكتب المحكومة بأسعار الدولار المتفلّتة، يوضح عاقلة أن الحسومات التي تحدّدها دور النّشر لن تكون هذه السّنة لسدّ التكاليف كما في الماضي، بل ستحوّل مباشرةً وكليّاً لمصلحة القارئ، راجياً اندفاعاً وشجاعةً لدى هذا الأخير. ويختم عاقلة حديثه، مشدداً على الدور الأساسي الذي يلعبه المعرض في فكّ الارتباط الحاليّ ما بين الثّقافة والرفاهيّة، وأن الثقافة لن تبقى أسيرة طبقة محدّدة، بل ستكون، كما عليها أن تكون دوماً، للجميع. وهنا يستشهد عاقلة بزياد الرحباني، واصفاً نظرته للثقافة: «بدها تصير متل طعمة الزعتر أو المنقوشة تحت سنان النّاس».
نحن أمام تنوّع شيّق وجديد للأفكار والبرامج ضمن معارض الكتب


وفي ما يخصّ برنامج المعرض، نحن أمام تنوّع شيّق وجديد للأفكار والبرامج ضمن معارض الكتب. من جهة، ستكون لتواقيع الكتب حصّتها الكافية والوافية بدءاً من توقيع كتاب «ضيعتي: تراب الذّكريات» لألبير الجوخدار، وكتاب جوزيف مخلوف (بانسيون أبو وحيد)، وصولًا إلى توقيع رشيد الضّعيف كتابه الجديد «الوجه الآخر للظّل» في «أوتيل بلمون» (11/8). من جهة أخرى، ما يكسر كلاسيكيّة المعارض الثقافية، هو مساحات النّقاش واللّقاءات الحواريّة، الدواء الحقيقيّة في ظلّ شلّ الأصوات والآراء. ثلاثة لقاءات سنكون على موعد معها ضمن المعرض: الأوّل «سؤال وجواب عن الصّحة النفسيّة» مع الاختصاصي أسامة قطيط تديره الاختصاصية وردة بو ضاهر، يليه توقيع كتاب ألبير الجوخدار الثاني بعنوان «الإعلام اللّبناني بين المحاور» مع الإعلامي سامي كليب وتديره الإعلامية ماريا يمين، في 13 آب. الثّالث والأخير لقاء بعنوان «بين الأمس واليوم» حول كتاب «حركة الشّباب الزّغرتاوي» لخليل مرقص الدّويهي. اللقاء الذي يُقام يوم 18 آب في «أوتيل بلمون» يجمع الدويهي وسايد بو الحنّ فرنجيّة، ويديره الشاعر فوزي يمّين.
في الختام، المقاومة الثّقافيّة تعني اليوم انغماساً كاملاً في الحقل حتّى تصير أجسادنا أبناء القضيّة لا عقولنا فقط. اليوم، وكلّ يوم، تجديد الاندفاع ورفع رايات الحرب أعلى وأعلى إلى أن نطال بها السّماء: «لن تكون الثّقافة آخر دروعنا بل السّيف الذي سنقاتل به ونغرسه في قلب الواقع».

* «المعرض الخامس عشر للكتاب» في إهدن: حتى 14 آب (أغسطس) ـــــ إهدن (ساحة الميدان ـ شمال لبنان)