ترأّس الأكاديمي والروائي التونسي، شكري مبخوت، لجنة «الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر)» لعام 2022 التي توّجت الروائي الليبي محمد النعّاس عن روايته «خبز على طاولة الخال ميلاد». وكان مبخوت قد تُوّج سابقاً بهذه الجائزة عن روايته الأولى «الطلياني».

عن هذه التجربة، يقول مبخوت في حديث لـ «الأخبار» إنّه «بحسب متابعتي لردود الأفعال، يمكنني القول إنّ هذه الدورة من أقلّ الدورات التي شهدت جدلاً حول الفائز. فالرواية مميّزة وحظيت بإجماع أعضاء اللجنة الخمسة وردود الأفعال مفهومة ومقبولة إذ لا إجماع في الأدب ومن حقّ كلّ قارئ أن يرى غير ما رأته اللجنة. وعليّ أن أعترف من ناحية أخرى أنّ الأعمال التي وصلت إلى القائمة القصيرة كلّها جديرة بالفوز لمميّزات في كلّ منها... وما يعنيني أنّ اللجنة قدّمت للقرّاء العرب مأدبة أدبيّة فاخرة منوّعة تتميّز بأدباء شباب يمثّلون حساسيّات جديدة في الرواية العربيّة ويمتلكون وعياً فكريّاً وجماليّاً متطوّراً». وتابع: «ما أسعدني أكثر هو أنّ اختيارات اللجنة كانت تراهن على هؤلاء الشباب في جرأة نادرة ولا تقصي أيّ صنف من الكتابة الروائيّة... من هذه الناحية أنا مطمئن إلى أنّ اللجنة اشتغلت بكثير من الحرفيّة والموضوعيّة والانفتاح الفكريّ ولا أظنّها ظلمت روايات أخرى، خصوصاً في القائمة الطويلة...».
أما عن تفسيره للاهتمام المتزايد بالرواية في العالم العربي وارتفاع معدّل الإصدارات مقارنة بأنماط أخرى، فيؤكد مبخوت أنّه يجب ألا ننسى أنّ «الفنّ الروائي له قدرة على امتصاص أنماط خطابيّة أخرى وفيه من المرونة والانفتاح ما يسمح له بأن يتسيّد المشهد الأدبي. علاوة على ذلك، تقدّم الرواية العربيّة اليوم المجتمع العربي في تنوّعه واختلافه وثرائه، ما يجعلها مرآة يرى القارئ العربيّ نفسه من خلالها ليفهم واقعه. من هنا، كانت المسألة مرتبطة أيضاً بإقبال القراء على الفنّ الروائيّ... نرى الشغف بالروايات المترجمة مثلاً وما تجده من قبول لدى القرّاء.. العمليّة مركّبة في تقديري ولولا ذلك لما استثمر الناشرون في الرواية فسوقها تتّسع يوماً بعد يوم».
وحول سبب توجهه متأخراً صوب الرواية بسبب الانشغال الأكاديمي، فيشير إلى أنّ «صناعة باحث أكاديمي تتطلّب وقتاً طويلاً، لكنّ زمن الشروع في كتابة الرواية غير محدّد فهو وليد شغف ورغبة في التعبير عن شيء مبهم أوّل الأمر. وشخصيّاً لا أعتبر نفسي قد دخلت عالم الرواية متأخّراً لأنّ الأمر أتى في التوقيت الذي اقتضاه تطوّر خبرتي وتجربتي في الكتابة الأدبيّة».
يعتبر كثيرون أنّ «الطلياني» طغت على بقية أعماله السردية، وهو ما يراه مبخوت مسألة «طبيعية»: «لقد حصلت على أكبر جائزة عربيّة في الرواية. لكن من خلال متابعتي للقرّاء، أجدهم يقارنون بين رواياتي الأخرى. فمنهم من يرى أنّ «الطلياني» هي الأهمّ وبعضهم يؤكد أنّ «مرآة الخاسر» أهم وأعمق. ونجد فريقاً ثالثاً يرى في «باغندا» شيئاً مختلفاً... يعكس ذلك حريّة القرّاء في الاختيار والتذوّق ولا دخل لي في ما اختاروا، فأنا أقترح عليهم أسئلة وقضايا وصيغاً جماليّة وأسلوبيّة وهم أحرار في التفاعل معها».
الكاتب المهتم بالتكفير وتاريخه في تونس، يجد في الشبكات الاجتماعية منصات للتكفير والشيطنة: «كل من هبّ ودبّ يدلي بدلوه ويهرف بما لا يعرف. إنّها ديمقراطيّة الحشود والجموع ولا أظنّ أنّ من صالح النخبة العارفة أن تتفاعل مع هذه الثرثرة العابرة رغم خطورتها... فالمسألة في ظنّي تعود إلى إنفاذ الدولة للقانون ضدّ خطاب التكفير والكراهية والتقاتل».
وفي ما يتعلق بنهاية مشروع الإسلاميين في تونس، يوضح مبخوت أنّ النتيجة متوقّعة «منذ البداية لحركة لا تملك برامجَ ولا تصوّرات إصلاحيّة للمجتمع والاقتصاد والدولة. وحتّى مشروع التمكين والأخونة كان متوقّعاً له أن يفشل بسبب وقوف الهيئات المدنيّة والمرأة التونسيّة ضدّه. ولولا تحالف الإخوان والباجي قايد السبسي تحديداً باسم التوافق والحوار لما أمكن لهم أن يتقدّموا في مشروعهم. فحركة «النداء» بمختلف مشتقاتها لم تكن ترى في الإخوان مشكلة بل حليف يمكّنها من تقاسم الغنيمة واستنزاف الدولة. إنّها أكبر جريمة في تاريخ تونس الحديثة ممهورة بتوقيع الباجي قايد السبسي. أما الحديث عن نهاية مشروع الإسلاميين فهو سابق لأوانه بعض الشيء لأمر بسيط جداً يرتبط بقدرتهم على التلوّن ولبس لبوس جديد كلّ مرة وتحديد دورهم الإقليميّ وقدرتهم على ربط تحالفات مع قوى مدنيّة تحميهم وفق مبدأ المصالح المشتركة. وهذا ما ظهر مع طبقة سياسيّة فاسدة انتهازيّة يميناً ويساراً ووسطاً».