عندما ظهر «لعبة الحبّار» (Squid Game) على «نتفليكس» في 17 أيلول (سبتمبر) الماضي، شعر عدد من النقّاد الكوريّين الجنوبيّين بالذهول من «دراما البقاء على قيد الحياة» (Survival Drama) المحلية. فقد وجدوا الشخصيات «مبتذلة» والحبكة «غير مقنعة» والعنف «غير مبرر». كما شكوا أنّ العمل المؤلّف من تسع حلقات برمّته مشابه جداً لأفلام قديمة، مثل الشريط الياباني Battle Royale، ولم يضف شيئاً إلى هذا الجنر، على الرغم من التصاميم والديكورات الرائعة وقائمة الممثلين المرصّعة بالنجوم (لي جونغ جاي، بارك هاي سو، وي ها جون، أوه يونغ سو، هويون جونغ وغيرهم). مثلاً، نقلت مجلة «ذا إيكونوميست» عن ناقد معروف لم تسمه قوله: «على الرغم من أنّ كل نوع لديه كليشيهات خاصة به، إلا أن جزءاً كبيراً من Squid Game يذكّرك بكل فيلم آخر رأيته من قبل».

على الرغم من هذه الآراء السلبية في بلده الأم، اجتاح «لعبة الحبّار» العالم. في منتصف الأسبوع الماضي، حقق العمل الذي كتبه وأخرجه هوانغ دونغ هيوك رقماً عالمياً قياسياً، إذ أعلنت منصة البثّ التدفّقي الأميركية أنّ متابعيه «وصلوا رسمياً إلى 111 مليوناً». جذب «لعبة الحبّار» هذا العدد خلال 27 يوماً فقط، متجاوزاً بسهولة المسلسل التاريخي ــ الرومانسي «بريدجيرتون» الذي تابعه 82 مليون مشترك في أوّل 28 يوماً، «محققاً أكبر انطلاق لمسلسل ما» على المنصة.
جماهيرية المسلسل صارت أشبه بحمّى تظهر جلياً في أشكال عدّة، أبرزها ملايين مقاطع الفيديو المستوحاة منه على «تيك توك» وآلاف الـ«ميمات» (memes) وعشرات المقالات الجادة التي تحلّل مضامينه. حتّى إنّ مقاهيَ في جميع أنحاء العالم بدأت بيع منتجاتها الخاصة من حلوى الـ «دالغونا» الكورية التي كانت محور أحد التحديات في المسلسل. وفي باريس، اندلعت المعارك عندما حاول المشجّعون شق طريقهم إلى متجر يمكن لزوّاره الوقوف مع موظفين يلبسون زي المنفّذين الذين يرتدون الزي الوردي في العمل.
في السياق نفسه، بعثت مدرسة «جون برامستون» الابتدائية في شرق لندن رسالة إلى أولياء الأمور تشرح فيها مخاوفها من أن الأطفال الذين شاهدوا المسلسل يتظاهرون بإطلاق النار على بعضهم البعض كوسيلة لإعادة تمثيل المسلسل. وبحسب النصّ، فإنّ «الأطفال الذين يشاهدون المسلسل يتعرّضون لمشاهد العنف، وللأسف فإنّهم يمارسون هذه السلوكيات التي لن يتم التسامح معها، لأنّها تسبب الصراع داخل مجموعات الأصدقاء».
على خطٍ موازٍ، تعكس وحشية المنافسة في المسلسل، وضع الكوريين الجنوبيين العاديين الذين يكافحون من أجل الإسكان الباهظ وسوق العمل الراكد، فيما بدأ السياسيون في الإشارة إلى Squid Game عند مهاجمة المعارضين!
بعد النجاح العالمي الذي حققته موسيقى الـ «كاي ــ بوب» في السنوات الأخيرة (خصوصاً من خلال فرق شبابية كـ BTS) وتتويج السينما الكورية الجنوبية بأوسكار عام 2020 أحرزه فيلم «باراسايت» لبونغ جون ــ هو، لا شكّ في أنّ الدولة الآسيوية أحدثت انقلاباً في مشهد الدراما التلفزيونية العالمية من خلال «لعبة الحبّار» الذي يمزج بين الرمزية الاجتماعية والعنف الشديد والأكشن والإثارة من خلال رؤية بائسة لمجتمع متّسم باستقطاب شديد.
يأتي ذلك في وقت تغزو فيه الـ «كاي دراما» (الدراما الكورية) الشاشات الصغيرة في دول عدّة. فقد سعى صنّاع الدراما والفن من خلال طرح مواضيع السلطة والعنف والقضايا الاجتماعية إلى معالجة المسائل التي طبعت تاريخ كوريا الجنوبية، من حرب وفقر وحكومات استبدادية، ما أفرز مشهداً ثقافياً نابضاً بالحياة أثارت مختلف فئاته اهتمام جمهور عالمي على مدى العقود الأخيرة.

يتألّف العمل من تسع حلقات تروي قصة رمزية عن الرأسمالية الحديثة


ومن الواضح أنّ وهج الموجة الكورية لن يتلاشى قريباً، إذ كشفت «نتفليكس» على لسان رئيسها المشارك، تيد ساراندوس، في شباط (فبراير) الفائت عن خطة لاستثمار 500 مليون دولار أميركي خلال العام الحالي فقط في مسلسلات وأفلام منتجة في كوريا الجنوبية. كما أوضح أنّ «العالم وقع على مدى العامين الأخيرين في حب الأعمال الكورية المذهلة التي تُصنَع في كوريا ويشاهدها العالم أجمع على شبكتنا... لدينا التزام قوي تجاه كوريا، وسنواصل الاستثمار والتعاون مع رواة القصص الكوريين من خلال أنواع وأشكال عدّة».
مع تصاعد المنافسة مع «ديزني بلاس» وHBO Max و+Apple TV وغيرها من شبكات الـ «ستريمينغ»، يعتقد العديد من المحلّلين أنّ ريادة «نتفليكس» القويّة في مجال الترفيه الكوري هي إحدى المزايا الإستراتيجية الرئيسية للشركة التي تتخذ من كاليفورنيا مقرّاً لها. ونجاح Squid Game زاد من رصيد مينيونغ كيم التي تحقق نجاحات لافتة منذ انضمامها إلى المؤسسة في 2016. واليوم، بصفتها نائبة رئيس المحتوى في آسيا. فهي مسؤولة عن الإشراف على قرارات محتوى «نتفليكس» عبر منطقة آسيا والمحيط الهادئ بأكلمها باستثناء الهند، بما في ذلك أسواق النمو الرئيسية مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان وجنوب شرق آسيا وأستراليا/ نيوزيلندا.
قبل عقد كامل، أنجز هوانغ دونغ هيوك سيناريو المسلسل، لكنّه لم ينجح في إقناع أيّ من المستثمرين بتبنّيه، إذ وجدت الشريحة الأكبر منهم أنّه «دموي جداً وغير مألوف وغامض». اشتغل هوانغ دونغ هيوك على النص بعدما عالج في أعماله السابقة مواضيع عدّة، كالاعتداءات الجنسية والتبنّي والإعاقة، انطلاقاً من وقائع حقيقية استوحى منها بحريّة.


أما مسلسله عبر «نتفليكس» الذي تولّى إخراجه، فيتضمن إشارات واضحة إلى عدد من الصدمات التي لا تزال تطبع الذاكرة الجماعية الكورية الجنوبية لغاية اليوم، كالأزمة المالية الآسيوية عام 1997 وعمليات صرف العاملين في شركة «سانغيونغ» لصناعة السيارات عام 2009، وهما حدثان أدّيا إلى حالات انتحار.
تتمحور القصة باختصار حول شخصيات منوّعة تنتمي إلى عالم المهمّشين والمسحوقين في المجتمع الجنوبي (مواطنين ولاجئين ومهاجرين...)، يشاركون في مسابقة قائمة على ألعاب أطفال تقليدية شهيرة، أملاً في الفوز بجائزة مالية (حوالى 38.1 مليون دولار أميركي) لتغيير وضعهم المالي والمعيشي المتردّي. لكن يتعيّن على الساعين إلى الفوز فعل المستحيل للحفاظ على حيواتهم، لأنّ خسارة أي لعبة تؤدّي إلى «الإقصاء»... أي الموت!
استقطاب المسلسل لجمهور عريض حول العالم مرتبط بعوامل عدّة، أحدها جمعه بين التسلية الطفولية وعواقبها المميتة، إضافة إلى الإنتاج المتقن والضخم والسينوغرافيا اللافتة.
صحيح أنّ الأحداث تجري في إطار كوري بحت، غير أنّ المواضيع التي يتناولها وتسليطه الضوء على تجاوزات الرأسمالية تجد صدى عالمياً، وتشكّل بالتالي مفتاح نجاحه في كل مكان. فـ «الميل المتزايد إلى تغليب الكسب المادي على رفاهية الفرد، هو ظاهرة موجودة في كل المجتمعات الرأسمالية حول العالم»، وفق ما تؤكد أستاذة الدراسات الكورية في جامعة «نوتردام» الأميركية شارون يون في حديث إلى وكالة «فرانس برس».
يعتبر احتضان «لعبة الحبّار» انعكاساً للقوّة الثقافية الهائلة لكوريا الجنوبية في الفضاء العالمي. ربّما يكون قد أفاد أيضاً من السير على خطى فيلم «باراسايت» الذي يعكس وجهاً من الظلم الاجتماعي. لكن الأهم من ذلك كله، أنّه يظهر أنه مثل الحب والمال، فإنّ الشكاوى حول عدم المساواة ليست لها لغة. هنا، تجدر الإشارة إلى أنّه ربّما أكثر ما يميز «لعبة الحبّار» و«باراسايت» هو أنّهما، ورغم كونهما يتناولان الفقر وعدم المساواة الطبقية، يفعلان ذلك بطريقة تُبرز الحداثة والبراعة الفنية والسينمائية في كوريا الجنوبية.
يمزج Squid Game بين الرمزية الاجتماعية والعنف الشديد والأكشن والإثارة


قد يكون الجمع بين الترفيه العنيف والنقد الرائج للرأسمالية ما يفسّر جاذبية Squid Game للجمهور الأجنبي الذي اعتاد مثل هذه المواضيع في إنتاجات أميركية مثلاً على شاكلة «مبارايات الجوع» (Hunger Games) التي تدور رحاها في عالم بائس من الظلم الاجتماعي الجسيم. غير أنّ الفارق بين «مبارايات الجوع» وBattle Royale من جهة، و«لعبة الحبّار» من جهة أخرى، هو أنّ أبطال العملين الأوّلين يافعون (يصطلح على تسميتهم بالإنكليزي بالـ YA أي Young Adults) بينما الواقع في الثاني ليس كذلك. عادةً، يميل الجمهور إلى شخصيات الـ YA لأنّها غالباً ما تتسم بقسوة عاطفية، وهي عموماً صادقة جداً في ما تفكّر وتشعر. وعلى الرغم من أنّ الأبطال ليسوا YA في Squid Game، إلا أنّ كلّاً منهم يظهر على حقيقته في اللحظات البشرية القبيحة والحميمية على حدٍّ سواء. وأحد العوامل القوية في نجاح Squid Game هو الطريقة التي تتحد من خلالها هذه الشخصيات القوية بسلاسة مع عناصر الألعاب ضمن إطار الفرضيات المطروحة.
سبق لهوانغ دونغ هيوك أن قال إنّ مسلسله قصة رمزية عن الرأسمالية الحديثة، لكنّها تستهدف أيضاً ما نعتبره ترفيهاً. ففي وقت لاحق من العمل، نكتشف أنّ الألعاب المروّعة تُتابع من قبل أصحاب مليارات يراهنون على فرص اللاعبين في صالة كبار الشخصيات (VIP) مليئة بالشمبانيا وكلّ ما لذّ وطاب. فمشاهدة المتسابقين يقاتلون من أجل المال وحياتهم، حتى عندما ندرك أنّ هذا يتم من أجل تسلية الجمهور، يعدّ جاذباً جداً. كما العديد من البرامج التلفزيونية والأفلام، فإنّ «لعبة الحبّار» يختبر تركيزنا على رؤية الناس يعانون مستخدماً أعراف المنافسة التلفزيونية للقيام بذلك: يغذّي جوعنا للآلام والإهانات التي يسلّط عليها الضوء تلفزيون الواقع.

لي جونغ جاي

في الواقع، وكما الكولوسيوم الروماني، يُشبع تلفزيون الواقع ميل البشر لرؤية الآخرين يتعرّضون للأذى والإذلال ــ مما يجعله أساساً مثالياً للدراما. تحيلنا الألعاب في المسلسل إلى أعمال يابانية مثل Takeshi’s Castle وZa Gaman. الأفلام التي تدور حول التجارب السلوكية و«دراما البقاء على قيد الحياة» مثل Circle و Battle Royale و The Killing Room تثير الإعجاب بسبب غوصها في طبيعة النفس البشرية وإظهارها إلى أي مدى يمكن أن يذهب الإنسان للفوز أو البقاء على قيد الحياة. يقوم Squid Game بذلك، لكنّه يخطو خطوة إلى الأمام عن طريق استجواب أولئك الذين يشاهدون على الجانب الآخر من الشاشة. وفي هذه الحالة، هم الأغنياء الفاحشون المجرّدون من الأخلاق.
في النهاية، لا يبيّن «لعبة الحبّار» إلى أين يتجه تلفزيون الواقع، لكنّه يدلي بما يشبه بياناً حول ما يمكن أن يشكّل متعة حقيقية للبشر. وفي الحقيقة، غالباً ما يتوقّف نجاح هذا النوع من الأعمال الدرامية على الحطّ من قدر الآخرين أكثر من موتهم الدموي (لحسن الحظّ؟!).
وفيما لم تؤكد «نتفليكس» تجديد Squid Game لموسم ثانٍ لغاية الآن، رأى كثيرون أنّ نهايته تُنبئ بالتحضير لجزء جديد سيستكمل الأحداث، في الوقت الذي تغصّ فيه السوشال ميديا بالسيناريوات المُحتملة. وعلى خطٍ موازٍ، نفى هوانغ دونغ هيوك، في حديث إلى مجلة «فارايتي»، أن تكون لديه خطط لتطوير «لعبة الحبّار 2»: «إنه أمر مرهق للغاية مجرّد التفكير فيه. ولكن إذا كنت سأفعل ذلك، فلن أقدم عليه بمفردي بالتأكيد. سأستعين بورشة كتّاب وأريد العديد من المخرجين ذوي الخبرة». وفي هذا السياق، يشير أيضاً إلى أنّ إنجاز نص الحلقتين الأوّلين «استغرق ستة أشهر... ثم تشاورت شفهياً مع الأصدقاء، واكتشفت طرقاً للتحسينات من خلال عروضي الخاصة ومن ردود أفعالهم».

Squid Game على نتفليكس