تونس | يعتبر الفيلم الإثنوغرافي مرآة الحضارات والشعوب، فهو يقدّم سينما إنثروبولوجية واقعية تتداخل بين التوثيق والصورة والبحث العلمي. وقد كان المستكشف والمخرج روبرت جيه فلاهيرتي أبّ هذا الجنس السينمائي، اشتُهر بفيلمه Nanook of the North عام 1922. في السياق الفني والمعرفي نفسه، جاء فيلم «الغابة المقدسة» للمخرج التونسي عبد الله الشامخ، الذي حصل أخيراً على جائزة أفضل عمل وثائقي طويل في «مهرجان الفيلم الإفريقي» في دالاس الأميركية.

يصوّر الفيلم أحد طقوس العبور الإنثروبولوجية المهدّدة بالاندثار في ظل التحولات المجتمعية متمثلاً في ما يسمى «احتفال الأجيال» الذي تقيمه قبيلة «أدكرو» في قرية «بوبوري» بإشراف الزعيم الروحي «بيار لات» الشخصية الرئيسية في الفيلم. إنّه اختبار يمتحن بلوغ الشباب ويشترط تأدية عدد من الطقوس في الغابة لمدة معينة.
راودت فكرة الفيلم المخرج منذ أكثر من سبع سنوات، حين كان يتصفّح مختلف الكتب الانثروبولوجية، بما أنها تصب في صميم اختصاصه (الانثروبولوجيا البصرية) وتندرج في علوم الاجتماع المرئية التي توثّق للذاكرة الإنسانية. ومروراً بستراوس وتشومسكي وأسماء أوروبية وأميركية أخرى، اكتشف عبد الله الشامخ، انتا جوب الأنثروبولوجي الذي حارب بضراوة من أجل المعالم التاريخية والثقافية للقارة السمراء وأسس مختبراً للغرض. وكانت السينغال مسقط رأسه حافزاً له حيث تُعتبر ملتقى للحضارات الإفريقية الناطقة باللغة الفرنسية.
من عرابه السينغالي، استوحى الشامخ فكرة فيلمه. فهو يرى أنّ اكتشاف جنوب إفريقيا من خلال العين الأميركية أو الأوروبية مختلف تماماً عن عين شمال إفريقيا. يقول لنا إنّ تونس كانت متطلعة دائماً نحو أوروبا فنياً واقتصادياً واجتماعياً بدل سبر أغوار «حضارة نشترك معها في الموقع الجغرافي وربما في الاغتراب الهوياتي». وتابع أنه من الأجدر قبل النظر إلى قارة أخرى اكتشاف ما يحيط بتونس من ثقافات وحضارات، خصوصاً أنّ «مهرجان أيام قرطاج السينمائية» كان ذا إشعاع إفريقي في بادئ الأمر، حتى رسخت في الأذهان صورة واحدة قاتمة عن جنوب إفريقيا وهي الفقر والمجاعات والأوبئة، في حين أنها تزخر بالخصائص الثقافية والاختلافات والنجاحات أيضاً، حيث كان جنوب القارة السمراء منبعاً لكثير من الفلاسفة والمفكرين.

الاغتراب الذي صوره في جنوب إفريقيا، يشبه الاغتراب الذي تعيشه تونس


ينطلق وثائقي «الغابة المقدسة» من البحث في ثنايا الخصائص الثقافية، عن كل ما هو إنثروبولوجي بشكل عام، وهو ما يحدّد ماهية الفيلم الوثائقي الإنثروبولوجي، ويميّزه عن الأنواع الأخرى، وقد أضاف الشامخ لمسة إبداعية لواقع طقس العبور من خلال تصوير رحلة ذهنية بين الأجيال. صوّر سرديتين في نفس المكان والزمان: الأولى ترسمها ملامح الشخصية البطلة وبيوت الطين والتمسّك بطقوس العبور، فيما تمثل السردية الثانية العولمة والتغييرات التكنولوجية التي طرأت على حياتهم في الغابة الاستوائية بين رفض القديم والجديد والتعايش مع الوضع. أما عن المشترك بين طقوس العبور، فهو أنّها تعبّر بكليتها عن اجتياز عتبة، رمزيّة كانت أم اجتماعيّة. وتحدث المخرج عبد الله الشامخ عن تدنيس المقدس أي الغابة بثقافتها وجذورها بفعل العولمة والاغتراب الذي صار يعيشه الإنسان عامة، والإفريقي خاصة.
ومن هنا، فإنّ الفيلم أعاد كتابة الواقع بطريقة فنية صورت رحلة رئيس القبيلة من القرن السابع عشر حتى اليوم. سفر في الزمن لتسليط الضوء على أهمية مرور الأجيال بالطقوس التي صارت فولكلوراً خالياً من معنى. عرّج العمل على فعل الاستعمار الثقافي وأهمية الثقافة في تحصين المجتمعات من محاولة نشر صور معينة كتوطئة للاستعمار الاقتصادي والاجتماعي وقولبة المجتمعات. وقال الشامخ بأن الاغتراب الذي صوره في جنوب إفريقيا، يشبه الاغتراب الذي تعيشه تونس من خلال صراع سياسي وثقافي وغيره من الأزمات.
وشدد عبد الله الشامخ على أهمية الثقافة كمنقذ للشعوب والحضارات واستشهد بما تنشره تركيا عبر الصورة.
وذكر المخرج الشاب أن التتويج يثبت وجود كفاءات سينمائية محترمة في تونس يعوزها إيمان هذا البلد بالثقافة والمثقفين بدل جعلهم يشحذون الدعم الذي لا يكفي لإنتاج فيلم واحد.
وتابع أنّ الترشيح أمام إنتاجات أميركية ضخمة يُعتبر بحدّ ذاته تكريماً للفيلم وللسينما التونسيين، وربما فاتحة خير، خصوصاً أن فيلمه بات متوافراً على منصة «روتفليكس».
ويشارك الفيلم في مهرجان في استوكهولم هذا الشهر، كما ستقام له عروض في تونس سواء أكان في دور الثقافة أم الجامعات.
يُذكر أن الأفلام الوثائقية في تونس جدّ نادرة وتعاني من مشاكل الإنتاج والدّعم وغياب ثقافة ترويجية تدفع المتفرج إلى طلب مشاهدة هذا اللون. لذا، تظلّ عائداتها المالية ضعيفة.