قبل عطلة عيد الفطر بساعات، توقّف قلب العالم السوري الآثاري قاسم طوير (1936 ـــ 2021). أغمض عينيه ومضى إلى عالم أخفّ وحشة، وأقّل وطأة. راح نحو مطارح بحدّها الأدنى ستمنحه احتراماً أكثر من بلاده التي قابلته في حياته بالنكران، وعندما مات بخلت عليه بقبر! متر ونصف المتر من التراب لم تتمكن الشام من منحها لعالم الآثار المرموق. ثمن القبر في الدحداح يصل إلى 25 مليون ليرة سورية (قرابة 8 آلاف دولار أميركي). وهو رقم باهظ بالنسبة لعالم آثار وبسيط جداً على تاجر حرب ولصّ طليق. لذا اضطرت عائلته لدفنه في مقبرة «نجها» في ريف دمشق!

ابن مدينة دير الزور، أفنى عمره في البحث والتعمّق في الحضارات، وتراث المناطق الأثرية السورية والإسلامية، ولمن لا يعرف الرجل، فهو عالم آثار له شهرة عالمية وعربية ومحلية، حصل على وسام الاستحقاق الألماني من الدرجة الأولى سنة 1978، ثم حاز وسام الاستحقاق الإيطالي بدرجة فارس عام 1979. حصد جائزة المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم التابعة للجامعة العربية لأفضل ترجمة من اللغة الأوروبية سنة 1993، عدا أنه سافر في بعثات إلى أهم الجامعات العالمية والأميركية، وحاضر في أرفع المحافل والأكاديميات الآثارية، ودرّس تاريخ الفن والآثار الإسلامية في ألمانيا، وهو يجيد أربع لغات عالمية ألّف فيها وترجم عنها! مع ذلك، لم يكن معظمنا يعرف قاسم طوير، ولم يسبق أن سمعنا عنه أو شاهدنا اهتماماً إعلامياً محلياً فيه، وكذلك الأمر بالنسبة للراحل الكبير خالد الأسعد الذي ربما لو لم تعدمه داعش بوحشية، لما سمعنا فيه. الإعلام السوري غسلنا أيدينا منه منذ زمن طويل، وخاصة عندما صار عماد سارة وزيراً للاعلام. لكن ربما نجد في وزارة الثقافة من يكون أهلاً للحد الأدنى من الثقة؟! قد يقول قائل، فيأتيه الجواب كصفعة عندما نسمع بأن ذوي الراحل تواصلوا مع «وزارة الثقافة» بعد وفاته بدقائق ليستأذنوا الوزيرة لبانة مشوّح بأن يضعوا اسم الوزارة على النعوة، لكن الجواب أتى من مديرة مكتب معاليها «نعتذر الوزيرة لم تستذكره»! لم يسعفها أي مستشار، ولم تكلّف نفسها عناء البحث على غوغل لتعرف بأن سوريا خسرت واحدة من قاماتها الرفيعة! ترى ماذا كانت تفعل وزيرة الثقافة حينها؟! هل كانت تتجلى بخططها العبقرية لإعادة لجنة الرقابة الفكرية إلى مؤسسة السينما وفرض مزيد من القيود الحديدية على صناعة متهاوية أصلاً، علماً أنها هي من اتخذت قراراً سابقاً عندما كانت وزيرة للمرة الأولى بإلغاء هذه اللجنة؟ أم كانت تتفرّغ لدعم الحراك المسرحي، الذي توقّف كلياً منذ تسلّمها زمام الثقافة في البلاد! طبعاً بعد قليل، نصحها حكيم ما في الوزارة بأن تستدرك خطأها وتتصل لتعزي عائلة الدكتور طوير وتضع اسم وزارتها على النعوة، من دون أن نلمح أي حضور رسمي في مجلس عزائه، ولا حتى كاميرا تلفزيون، ولا باقة ورد علّها تصنع تكريماً رمزيّاً ولو بائساً لذكرى الرجل! وحده ابن شقيقته الممثل السوري المعروف فاتح سلمان مع أولاد خاله يتقبّلون العزاء. بينما الإعلام السوري يلهو في سذاجته المفرطة، كانت كل الجامعات والمعاهد والمراكز الدولية المعنية بالرجل ترسل إلى عائلة الراحل العزاء، وتسأل إن كان يلزمهم شيء... ترى ماذا كان لأولاده أن يقولوا: نحتاج وطناً ندفن فيه أبانا؟!