عندما فوجئ الغرب بفيلم «أغنية الطريق الصغير» (1955) للمخرج الهندي من القومية البنغالية ساتياجيت راي (1921 – 1992)؛ لم تكن السينما الهندية معروفة عالمياً. كان الذين يدرسون السينما وأعضاء نوادي السينما يعرفون أو سمعوا عن أكيرا كوروساوا أو كينجي ميزوغوتشي أو ياسوجيرو أوزو الآتين من القارة الآسيوية. الأشهر كان كوروساوا. أوزو كان معروفاً لكن أفلامه لم تصل كثيراً. في ذلك الوقت، كانت الصالات السينمائية هي الوسيلة الوحيدة لمشاهدة الأفلام. كانت السينما الآسيوية معروفة لدى الأوروبيين أكثر منها لدى الأميركيين الذين تأثروا بنظرة هوليوود للشرقيين على أنهم مراوغون وغير أهل للثقة. أظهر «أغنية الطريق الصغير» وجهاً مختلفاً للشرق: الشخصيات لم تكن صفراء أو ذات عيون صغيرة، بل سمراء. سيناريو الفيلم اختلف قليلاً عن السائد وقتها في الشرق (السيناريو الياباني)، فسيناريو ساتياجيت راي («لاعبو الشطرنج»، «الغريب»، «الزوجة الوحيدة»، «البطل») قريب إلى حد ما من السرد الأوروبي. «أغنية الطريق الصغير» كان الأول في مسيرة راي السينمائية، بعده قدّم «الذي لا يقهر» (1956) و«عالم أبو» (1956). هذه الأفلام الثلاثة شكّلت ما عُرف بـ «ثلاثية أبو». في الهند، المقسّمة طبقياً، ولد راي في كلكتا من عائلة من الفنانين والأطباء والعلماء، كان قادراً على الدراسة في جامعات بنغالية وأجنبية. أسّس «جمعية كلكتا السينمائية»، وهي نوع من نوادي السينما التي سمحت له بمشاهدة العديد من الأفلام الأجنبية. سافر إلى باريس حيث أصبح صديقاً للمخرج جان رينوار وكان مساعداً له في فيلم «النهر» (1951). في لندن، شاهد فيلم «سارق الدراجة» (1948) للإيطالي فيتوريو دي سيكا، ما دفعه لتكريس نفسه للسينما. كان راي غريباً في الهند التي تنتج أكثر كمية أفلام في العالم. لم يجد مكانه. لم يكن يتحدث لغتهم السينمائية. كانت السينما بالنسبة إليه شيئاً آخر. سينما راي مطعّمة بذكريات رينوار وبالواقعية الإيطالية الجديدة. لكنّ راي الغريب شقّ طريقاً مختلفاً، مهتماً بالمسألة الاجتماعية، والظروف السيئة التي يعيش فيها شعبه. ولأنّ كثيرين ممن كانوا يعملون وقتها في السينما في الهند، لم يكونوا محترفين؛ لم يكن هو فقط المخرج والكاتب لأفلامه بل المترجم والموسيقي والمصوّر والمؤلف وحتى مصمم ملصق الفيلم.
سينما مطعّمة بذكريات رينوار وبالواقعية الإيطالية الجديدة


في «ثلاثية أبو» سينما واقعية، كأنك تشاهد فيلماً وثائقياً للحظات حاسمة من حياة البطل أبو. نعيش معه ومع عائلته طوال الوقت، من مراحل طفولته إلى عمر النضوج والكبر، حتى نصل إلى نهاية واسعة وعريضة عن الإنسان والحياة. يمكن وصف الثلاثية بأنها عن الموت، أبو يعيش كي يرى وفاة المقربين منه، وعلاقته بأفراد عائلته معقّدة، وكذلك رد فعله على وفاتهم. ملحمة وطنية، تبدأ في الريف حيث ولد أبو. ننتقل معه إلى المدينة والعمل وعلاقته بالدين في مدينة بناريس المقدسة، ثم إلى المساعي والطموحات لتوسيع محافظة كلكتا. مواضيع ثقيلة تحملها الثلاثية، عاطفية الى حد ما. سينما ذات طابع إنساني، تنحو نحو التأمل والإيقاع البطيء، وتعطي الأولوية للشخصيات على حساب التصاعد الدرامي للأحداث، وتحمل قدراً من البساطة الظاهرية رغم تعقيداتها الداخلية.
كاميرا راي دائماً ما تنظر إلى وجوه الشخصيات دون حائل، بطريقة شفافة لكن مضلّلة. يفهم راي جيداً أنه لا يكفي فقط وضع الكاميرا أمام الممثل ليلعب دوره. كانت لديه حكمة في اختيار المساحات والإطار والزاوية والإنارة. كانت مشاهد راي سلسة كأن لا مهرب للجمهور من الشخصيات. في طريقة إدارة التصوير، كان يجبر الممثلين على النظر إلى الأعلى ورفع وفتح الأعين ليزودنا بأكبر قدر من النظرات. كانت العيون بالنسبة إليه نافذة مفتوحة، مورداً جميلاً وفي الوقت نفسه بسيطاً وطبيعياً يبوح بالكثير. يبدل مقاسات الصورة من الأكثر حميمية والأقرب إلى اللقطات العامة للمشاهد الجماعية، والتي تعمل كصورة للتقسيم الطبقي الاجتماعي. بعد 100 عام على ولادته، لا يزال راي أشهر مخرج في السينما الهندية. غزير الإنتاج، أخرج ٣٧ فيلماً، بما فيها الروائي والوثائقي والقصير. تعامل راي مع المشكلات الاجتماعية والسياسية في الهند من جوانب مختلفة: عدم المساواة، البطالة، الاستغلال الرأسمالي والفساد، نقص التعليم، اضطهاد النساء. قدم الهنديات بطريقة جديدة: حكيمات يسخرن من عبثية العالم الحديث. لم يدرس راي السينما أبداً، لكنه عاش فيها. السينما الواقعية الجديدة دفعته للعمل مع ممثلين غير محترفين لأن أفلامه كانت تتعلق بالجانب الإنساني. تناول السلوكيات التقليدية القديمة وكانت نظرته إليها مستنيرة. رغم واقعية أفلامه، إلا أنه كان يطعّمها بالخرافات وحكايات تشبه القصص الخيالية. أفلامه ذات طعم خاص، كطعم الكعك الهندي تماماً، نشبّهها بالطعام لأن للأكل والطعام في أفلام راي دوراً مهماً. قدّم في السينما الخاصة به روايات وجودية، بطريقة غير معقّدة، لطيفة تعبر أمام أعيننا وتهمس.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا