تعيش المنظومة الليبرالية الأميركية حال تخبّط إيديولوجي مذ كشفت الأزمة المالية العالميّة في عام 2008 عن الفشل السياسي والاقتصادي والإفلاس الأخلاقي والثقافي لنخبة واشنطن التي تهيمن على النظام العالمي. تخبّط انعكس بالتبعيّة على هوليوود فقراً مدقعاً في الخيال. Without Remorse المقتبس عن رواية لتوم كلانسي، سيكتسب حتماً مكانة النموذج الكلاسيكي لمنتجات هذه المرحلة: الحكاية ملتبسة والحبكة غير مقنعة، والتمثيل باهت والشخصيات عديمة الأبعاد إلى درجة أغضبت الجميع: من قرّاء كلانسي إلى محبي مايكل بي جوردان – نجم الفيلم، ومن عشاق أعمال «الأكشن» إلى المهووسين بالتفاصيل الشكليّة للسينما


توم كلانسي (1947 – 2013) روائي شعبيّ أميركي وجد في أجواء إيديولوجيا الحرب الباردة وعداء الاتحاد السوفياتي، سوقاً رائجة لبيع قصص العسكر والجواسيس، فترك مهنته كوكيل تأمين ليتفرّغ للكتابة بعدما أصاب أوّل أعماله «مطاردة أكتوبر الأحمر» (1984) نجاحاً فاق التوقعات. أصدر خلال مسيرته الروائيّة 17 عملاً قفز معظمها إلى قوائم الكتب الأكثر رواجاً، وتجاوزت مبيعاتها مجتمعة أكثر من مئة مليون نسخة، ومدّت هوليوود بمادة خام مثاليّة لإنتاجات سينمائية متتابعة تخدم المنطق الإيديولوجي للإمبراطورية الأميركية وناجحة تجارياً في آن: خليط سائل من مبالغات شوفينيّة وانتصارات وهميّة ورطانة إيديولوجية ونظرة ثنائية محضة إلى العالم.
رواية كلانسي المسماة «بلا ندم» تندرج في هذا السيّاق. نُشرت في عام 1993 ومن وقتها وهي قيد الإعداد لتحويلها إلى فيلم، فتغيّرت أسماء الممثلين المرشحين للعب الشخصيّة الرئيسة عدة مرّات بمن فيهم كيانو ريفز وغاري سينيس وتوم هاردي، ليستقر الأمر بعد عقدين من المراوحة على الممثل الأفرو-أميركي مايكل بي جوردان، وتم التعاقد مع تايلور شيريدان وبيل ستابلز لإعادة كتابة سيناريو وضع منذ التسعينيات، وكُلّف ستيفانو موليما بإخراجه. وقد أنتجته «باراماونت بيكشر» وكان جاهزاً للعرض منذ أشهر، لكنّ ظروف كوفيد ــ 19 فرضت تأجيل ذلك مرّة بعد مرّة، قبل أن تنتقل حقوق عرضه أخيراً إلى «أمازون».
حكاية «بلا ندم» (109 دقائق) تقوم على مؤامرة تنفذها جهات داخل السلطة الأميركية ترمي إلى إشعال نار الصراع بين الولايات المتحدة وروسيا مجدداً لاستعادة الوحدة الداخليّة وتعظيم الإنتاج العسكريّ كما في الأيّام القديمة الذهبيّة عندما كان العدو السوفياتيّ واضحاً ومحدداً. ولتحقيق هذه الغاية، يتم توريط فريق من القوات الخاصة لمشاة البحريّة ــ الشهير بـ SEAL ــ في عمليّة إنقاذ لعميل استخبارات أميركي يحتجزه الجيش السوري في حلب. يتبيّن لاحقاً بأن العميل كان بالفعل في قبضة قوات روسيّة خاصّة التي ــ كما المعتاد في كل فيلم أميركي ــ خسرت كل عناصرها الذين صودف وجودهم في الموقع. وبينما عاد فريق جنود البحريّة إلى حياتهم (المثاليّة) في الوطن حيث زوجات جميلات وحفلات باربيكيو وسيّارات ومنازل فارهة، فإن عمليّات اغتيال غامضة تستهدفهم واحداً تلو آخر، ومنهم جون كيلي (يلعب دوره بي جوردان) الذي يقتحم بيته فريق روسيّ فيغتال زوجته الحامل، قبل أن يتصدى لهم، فيقتل ثلاثة من المهاجمين ويصيب رابعاً فرّ من المكان نفسه، فيما نُقل هو إلى المستشفى مصاباً. وبحسب المؤامرة التي تقودها شخصية أميركية رفيعة، فإن الحادثة تفشل في التسبّب في حرب مع روسيا، ما يدفع المتآمرين إلى إرسال فريق بهدف مضمر لافتعال حادثة في العمق الروسي يصرّ كيلي على الالتحاق به بدافع الانتقام عبر استهداف العقل المدبّر وراء اغتيالات جنود مشاة البحريّة. يأتي ذلك بعد توافر معطيات عن مكان تواجده داخل الأراضي الروسية. المهمّة محكومة بالفشل والانكشاف، لكنّها تخدم ــ بغضّ النظر عن مآلاتها ـــ أغراض رفع مستوى التّوتر مع روسيا. هذه الأحداث كخلفيّة لمشاهد تكاد لا تنتهي من إطلاق النار الكثيف والانفجارات المتلاحقة التي يتساقط فيها الجنود ورجال الشرطة الرّوس كما الذّباب فيما البطل الأميركي – الفرد دائماً – يقاتل كشيطان، وينجو كلّ مرّة مصاباً بخدوش سطحيّة هنا أو هناك.

مؤامرة تنفّذها جهات داخل السلطة الأميركية ترمي إلى إشعال الصراع بين الولايات المتحدة وروسيا


هذه الحكاية البسيطة شكلاً، تكتسب في الشريط تعقيداً مفتعلاً وتكتنفها انعطافات عدة غير مبررة لدرجة دفع المشاهد إلى فقدان الاهتمام بالمتابعة: ينجو كيلي مرّة بعد أخرى سواء من المعارك المسرفة - ومن مصاعبه مع النظام الأميركي أيضاً، بتدخل المنقذين له دائماً في اللحظة المناسبة وبشكل غير مفهوم. منقذوه ينتمون إلى شبكة مبهمة من السود داخل المؤسسة الرسميّة الأميركية لا يُعرف عنها شيء سوى تصريحات تحت طائلة الويسكي بين كيلي وقائدته «لقد قاتلنا من أجل بلد لم يحبنا أبداً»، فيما الأشرار على تعدد مواقعهم متفرغون لمهمّة وحيدة دائمة: تضليل المشاهد أو التخلّص من البطل (المطلق) كيلي. وفي الوقت القليل الذي لا تكون الاشتباكات المنزوعة الدسم مع الروس دائرة، يقرّع أحدهم أو (إحداهن) رؤوسنا بالشّعارات الشوفينيّة والمحاضرات التاريخيّة المفتقدة للحرارة.
يستهدف الفيلم بالطبع قاعدة جمهور كلانسي العريضة بين الجمهور الأميركي الأبيض، لكنّه يفشل في تلك المهمّة المحددة بشكل فضائحي. سيناريو «بلا ندم» ليست له علاقة مطلقاً بالرواية الأصلية سوى عنوانها واسم الشخصية الرئيسة فيها. ويتم فرض شخصيتين سوداوين (كيلي وقائدته المباشرة) كأبطال رئيسيين في مواجهة مؤامرة يقودها أشخاص من ذوي البشرة البيضاء، فيما تتولى ممثلة ضعيفة الحضور (جودي تيرنر سميث) دور كارين غرير قائدة قوّة المشاة بدون أي مبرر درامي: لم يحدث قط في تاريخ الـ SEAL أن قادت أي قوّة فيها امرأة، فما بالك بامرأة سوداء، وضعيفة الحضور لا ينعكس جندرها على عملها لا سلباً ولا إيجاباً. مع ذلك، فإن هذه الأخطاء العرقية الفادحة التي تسببت للفيلم في انتقادات لاذعة من قبل الجمهور، لم تكن سوى قمة جبل جليد من الهفوات التقنيّة والفنيّة الممتدة من تصميم الأزياء العسكريّة للجيش الأميركي إلى المشاهد الغبيّة (يبدأ الفيلم بظهور القوّة الأميركيّة في حلب من داخل بركة ماء، مشهد فتح باب سيارة غارقة من داخلها بدون صعوبة...) التي أثارت حنق المهووسين بالتفاصيل الشكليّة للأعمال السينمائيّة، إلى جانب الأداء المملّ والمخيّب للآمال لبي جوردان، رغم إجباره على خلع قمصانه واستعراض عضلاته البارزة بلا سبب.
بعد كل هذا الهراء، وأكوام جثث الجنود الروس، ينجو كيلي مجدداً بقدرة قادر، وتتدخل الشبكة السوداء السريّة المبهمة مرّة أخرى من وراء الكواليس لإجراء مراسيم دفن مزوّرة للشهيد جون كيلي تمنحه القدرة على مغادرة البلاد بهويّة جديدة: جون كلارك، وهي شخصيّة من أجواء حكايات توم كلانسي عن مغامرات العميل جاك رايان. أمر يعني وللأسف، أن الجمهور يجب أن يبتلع مايكل بي جوردان وشطحات شيريدان وسخافات كلانسي في جزء قادم آخر.
أيّ رسالة يطرحها هذا الفيلم العاجز حتى عن الترفيه المحض؟ الرّواية الأصل تضمّنت على مستوى ما تساؤلات ساذجة بشأن العدالة وكيفيّة تحقيقها على نسق ماذا لو وجدت كمواطن أن حكومتك (الأميركية) أقدمت على ارتكاب خطأ ما من وجهة نظرك كفرد، فهل واجبك الوطني يستدعي تحوّلك إلى أداة العدالة وتأخذ الأمور على عاتقك الشخصي؟ لكنّ سيناريو الفيلم فقد الصلة بالرواية كليّة، وإذا كانت المسألة نفسها مطروحة فلسفيّاً في خلفيّة أحداثه، فهي تاهت تماماً في المنتج النهائي لمصلحة الاستعراض الفارغ.
«بلا ندم» ليس حالة فريدة. فمن يراقب إنتاجات هوليوود خلال السنوات القليلة الماضية يلحظ فقراً مدقعاً في الخيال، ورداءة غير معهودة في ماهية المحتوى الإيديولوجي للغالبيّة العظمى من الأعمال المتتابعة، وانتكاسة شاملة على مستوى الموضوعات المطروحة. وهذا يُقرأ من زاوية النقد الثقافي كتجسّد لحال تخبّط إيديولوجي وقحط نظري تعيشها المنظومة الليبراليّة الأميركية منذ كشفت الأزمة الماليّة العالميّة في عام 2008 عن الفشل السياسيّ والاقتصادي والإفلاس الأخلاقيّ والثقافيّ لنخبة الحكم في واشنطن. لم تعد لهذه النّخبة الشديدة الصلف أيّة نظريّة متماسكة تبرر هيمنتها على الأكثريّة. أمر يضع منتجي المادّة الثقافيّة – مثل هوليوود، مصنع بروباغندا الإمبراطوريّة – في موقع الارتباك والتلعثم. «بلا ندم» صورة هذا التقاطع في هذه اللحظة تماماً.

Without Remorse على أمازون



اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا