ينتهي من عزف المقطوعة الموسيقية، لكنّ الحفلة مستمرة، تمهيداً منه لما سيأتي بعدها، وبإيقاعٍ مضبوط ليحافظ على المزاج. يطرق بإصبعه نوتة واحدة على البيانو، مكرراً إياها لثلاث ضربات متتالية. تتغيّر الصورة ويظهر وجه كارمن لبس على الشاشة. بالتزامن مع النغمة التي تتردد في الخلفية، تعرّف عن المقطوعة التالية التي ستُعزف. «في نوع تاني من التجارب الموسيقية مختلف عم بصير ببيروت منسمع تحت عنوان Two floors down موسيقى لعازف البايس (باص) والمؤلف عبود السعدي» تقول.

في حانة «أنكل سام»، تدور الأحداث. مجموعة من العازفين يخطون أدراجهم نزولاً. عبود السعدي في الواجهة يحمل آلته ويلحق به الآخرون. الجميع يأخذ مكانه وسرعان ما تتوزّع الأدوار. هنالك: هاني سبليني على الكيبورد، توفيق فروخ على الساكسوفون، زياد الرحباني بدورٍ غير مألوف كثيراً، على البيانو كعازف لا كمؤلف، وبقية أعضاء الفرقة. الوتيرة تتناغم. الأصوات تتداخل. العزف المنفرد شغوف. والمؤلف يهزّ برأسه مبتهجاً.
هذه المقطوعة، Two floors down، هي الوحيدة التي أُدرجت في الفيلم الموسيقي المصوّر «موسيقى على قيد الحياة من بيروت»، وهو مجموعة من المقاطع الموسيقية من تأليف زياد الرحباني، عُزف معظمها في حفلاتٍ مختلفة، من دون أن يكون الأخير هو مؤلفها. لقد صُنفت كاتجاه موسيقيّ مختلف، أو متمايز، مقارنةً بأسلوب زياد الرحباني، كون إيقاعها الحيوي ووتيرتها السريعة المتصاعدة ميّالين إلى الفانك بعكس الاسترسال الموسيقي والجمل الطويلة المرتجلة التي يمتاز بها جاز الرحباني. إلا أنّ الصنفين، يُعتبران ـ بشكل عام ـ تجاربَ موسيقية مُختلفة، بالمعنى (كاتجاه) الجديد، التقدمي، وغير السائد. كلاهما يتقاطعان في حيّز كبير، يتماهيان، ويسير أحدهما بجنب الآخر. وجودها مع باقي المقطوعات في الفيلم أبرز دليل على ذلك، وحضورها المنفرد عزّز من قيمة فرادتها، بينما الخرق الحقيقي الذي يُحتسَب هو حضور تلك التجارب ونضجها، في ذلك الوقت تحديداً، حين كان الصوت الحقيقي مرهوناً للرصاص والمدافع، والمشهد الأصلي المتأصّل دموياً بحتاً لا موسيقياً.
دعك من الجمالية الموسيقية والمزاج السمعي، ولنبتعد قليلاً عن المناخ الموسيقي، محاولةً منا لفهم السياق فقط. هنالك كلمة رددتها مقدِّمة الحفلة يجب أن نقتفي أثرها لأنها لم تسقط سهواً، إنما بشكلٍ متعمّد ومقصود لمرتين متتاليتين، وهي مفتاح لبابٍ مُوصَد لم يُفتح على مصراعيه بعد وهي عبارة «تجارب مختلفة». ما هي هذه التجارب المختلفة فإذن؟ كيف يمكننا التوغّل فيها أكثر؟ كيف يمكننا معرفتها عن كثب؟
لا نملك معطيات كافية ونحن لا نعرف الكثير عن هذا العالم. الكثير من التفاصيل غائبة عنّا، بينما العناوين الكبيرة تطمرنا. ما نعرفه بات إنشائياً، ذاوياً وبائخاً ولو أنه حقيقيٌّ للغاية. نعرف أن الحرب بشراستها طمست الكثير من الأحداث، وأطفأت وهج أضواء لمعت في آخر النفق لتحافظ على خنادقها الحالكة. وعندما انتهت، بقي التاريخ معلّقاً إلى أجل غير محدد، ومهمة تدوينه تبدو مستعصية. وما نعرفه عن تاريخ الموسيقى اللبنانية بتياراتها التجريبية وموسيقيّيها وأنماطها الحداثية قليل.
نعود إلى البدء: نعرف مثلاً أنها تشبه الحركات الثورية في شقَّيها السياسي والعسكري بعد هزيمة حزيران ١٩٦٧، حين اتخدت منعطفاً جذرياً بدأها مخول قاصوف الذي هجر البوب والروك (فرقته Animals) ليعتنق الأغنية الملتزمة. انتصرت هذه الأغنية فنيّاً، وطغت على الواجهة لمدة لا تقلّ عن عقد من الزمن. الأسماء هنا كثيرة ومعروفة ولا داعيَ لذكرها. كان أبرزها «فرقة الأرض»، خالد الهبر، مارسيل خليفة الخ.

كان فخر عضواً في الفرقة التي رافقت فيروز في حفلتها في أميركا إبان الحرب الأهلية وقرّر أن يبقى هناك


لكن في أواخر السبعينيات، وفي ثمانينيات القرن المنصرم، عادت الأنواع «الموسيقية المختلفة» تتبلور من جديد، متفلّتةً من أولوية الرسالة، وقاعدة الموقف اللتين جعلتا من الأغنية سلاحاً للمواجهة، يغلب عليها الطابع الإيديولوجي ويحدد غايتها، من دون نفي أهميتها، ولكنها في لحظتها تلك أطلقت العنان لنفسها ووسّعت من مجال حريتها، فباتت قيمتها تُستمد من ذاتها، وغاصت في مضمار الإفصاح والتعبير. لم تعد الأغنية الملتزمة وحدها هي المسيطرة، وعاد الرونق الموسيقي «المُختلف» ينتعش وينسل من الدهاليز المعتمة إلى الفضاء، من القبو إلى المسرح، ويحطّ رحاله شيئاً فشيئاً في الأوساط، منها موسيقى زياد الرحباني، فرقة Force أو غيرهما...
حقبة طويلة عريضة، غنيّة وفجّة، أصيلة وأصلية غير مؤرَّخة ومجهولة تخبرنا أوراق النعي عن روّادها. هم الذين لم تتمكن الحرب من قتلهم، قنصهم الموت في زمن السلم وراحوا يتهاوون، واحداً تلو آخر (وليد قطيم، بسام سابا...) وحيدين بلا جمهور، بدون أن نغوص في حذافير رحلتهم الفنية التي لم تقدّر كما تستحق، ولم يصلنا صداهم إلا بعد فراقهم، في مرثيات طويلة «كإتمام واجب»، اعتدنا على كلماتها وحفظنا أوزانها. السردية الوحيدة المؤكدة أن هذه التجارب بقيت ضيقة، مؤطرة، صداها خافت، تُلعب في بارات ونوادٍ ليلية محددة وزوّارها انتقائيون. حتى إن الكثير منها ارتبط مصيره بالمكان الذي تعزف به، وإذا أغلق المكان وأقفل، صمتت الموسيقى.
شركة إنتاج ألمانية تُدعى «حبيبي فانك» (Habibi Funk) مهمتها البحث عن تجارب موسيقية مطمورة، عن كل ما تهمله الذاكرة أو تنساه فترميه في سلّة المهملات. تُنقّب عن كل نتاج «قديم» غير مبتذل عجز عن الوصول وتحوّل إلى «آندرغراوند». تستكشف ما يمكن اعتباره مهمّشاً أو صداه هامساً، من جاز سوداني وديسكو مصري وتجريب عربي وتعيد إحياء هذا المنسيّ أو المغمور، اكتشفت كنزاً لبنانياً، هو موسيقي (عازف غيتار) من الحقبة الموسيقية الضائعة يُدعى روجيه فخر.
ما نعرفه عن روجيه فخر ضئيل جداً، وبالأحرى معرفتنا به جديدة. هو عايش تلك التجارب، وعمل مع مؤلفيها، والأهم أنه كانت له تجربته الفريدة الخاصة. صداقته القديمة مع عصام الحاج علي، عازف الغيتار في «فرقة الأرض»، فتحت المجال لـ «حبيبي فانك» أن «يستنبطوه» ويعرّفونا، بدورهم، إليه. روجيه فخر كان عضواً في الفرقة الموسيقية التي رافقت فيروز في حفلتها في أميركا وقرّر حينها أن يبقى هناك من دون أن يعود إلى وطن الدمار والحرب المنتظرة الموعودة. لكن قبل ذلك الوقت، كان قد سجّل ألبوماً موسيقياً، باللغة الإنكليزية ووزّع منه حوالى مئتي نسخة على أصدقائه وحلقته المقربّة الضيقة. يروي جانيس شتورتز (المسؤول عن الشركة) على موقع «حبيبي فانك» قصته مع روجيه فخر سريعاً. يقول بأن الاسم كان يتردد على مسمعه دائماً، وأن صيت الأخير كان ذائعاً بإيجابيته حتى التبجيل من منير الخولي، زياد الرحباني، وبالأخص من عصام الحاج علي الذي سجّل معه الألبوم، وكان شريكه في السكن في باريس في السبعينيات. الأخير أخبر شتورتز أن فخر لديه ألبوم موسيقي منجز، لم يرَ الضوء بعد. وما إن حصل شتورتز على موافقة فخر للحصول على الألبوم وسماعه، حتى أُصيب بالذهول.
الجميع أُصِيب بالذهول. العيون مطمئنة. الهدوء يرسم ملامح الوجوه جرّاء ما يسمعونه. الفرقة تعزف موسيقى «سوفت روك» على خشبة مسرح متواضع. أغاني الاحتجاج تصدح عالياً. الريتم قريب من أجواء فرقة The Mamas and the papas. الجمهور يفترش الأرض. الجميع يجلس القرفصاء على العشب. المؤدية بصوتها الرقيق تلامس بغنائها رأفة التراتيل. هنالك من يُتمتم، معيداً الغناء، وراءها. كأنه توأم وودستوك، أو هو نفسه من نوع آخرـ لكنه مشهد مأخوذ من فيلم مارون بغدادي «همسات» (صُوّر عام ١٩٨٠) لحفلة موسيقية في الجامعة الأميركية في بيروت. موسيقى روجيه فخر، تردنا إلى هناك. نستخلص منها أنه ينتمي إلى تلك الأجواء. قبل هذا المشهد من «همسات»، يأتي مونولوغ لهيثم حداد، موسيقي وطالب معماري وهو يعزف على البيانو. يقول: «في شي بيضايقني انه كون عم بلعب موسيقى وفي حرب بلبنان». وفي تصريحه هذا ترجمة فعلية لسبب اعتكاف روجيه فخر، في المبدأ، على الإصرار الموسيقي وهجرته الجغرافية والفنية البعيدة والطويلة.
Fine anyway، «بخير، على أي حال» هو عنوان الألبوم المكوّن من ١٨ أغنية. فخر لم يرد في بادئ الأمر أن يخرجه إلى النور، إلا أن انفجار بيروت غيّر المعادلة برمتها. انفجرت بيروت وانفجرت الذكريات معها، منها الموَضّبة سراً في الصناديق، ومنها التي لم تتعاف من الذكرى بعد. «حبيبي فانك» قامت بإنتاج البوم بعد فاجعة المرفأ يحتوي على بوتقة موسيقية مختلفة لموسيقيين لبنانيين عديدين، كمبادرة لدعم الصليب الأحمر في المحنةِ، وشارك فخر فيه بمقطوعتين، ليغير رأيه من بعدها ويوافق على نشر ألبومه كاملاً.
لروجيه فخر بصمته الموسيقية الواضحة. أسلوبه الإبداعي نسيج يتألف من مزيج الأنماط الموسيقية المتعددة. من الروك معتمداً الدرامز كصوت أساسي، طاغٍ، قائداً للإيقاع في «الرحيل مجدداً» (Gone away again) إلى البلوز ومزاج البوح الكئيب، معلياً من شأن الغناء والكلمة على وتيرة الغيتار أكوستيك في Fine anyway. غيتار روجيه فخر وتقنيته شبيهان بنغمات مارك نوفلر (Dire straits) ومقطوعاته الصغيرة في عزفه المنفرد («امرأة بجانبي» woman by my side) تردنا إلى أوّل أيام جيفرسون ايربلاين (embryonic journey). يكتب أغانيه بكلماتٍ سلسلة وصورية، نصّه غير فضفاض، تطفو عليه نزعة تبسيطية للمأساة، دعوة تفاؤلية، مجسّداً بذلك عنوان مؤلفِه. القادم من خشونة الحرب، يعرف كيف يهدّم المُستعصي، كيف يتحامل على الوجوم، وبالمواربة على الكرب بالبساطة والخفّة «أحياناً تشعر بالأسى/ ولا يمكنك أن تفعل شيئاً/ لا ربما هنالك مرّة أخرى ستتخطاها فيها» (أحياناً تشعر بالأسى Sometime you feel bad). صوت روجيه فخر الغنائي صافٍ ورقيق، يضعه في الصف الأوّل مع مغنِّي «الفولك»، لكنه لا يمكّنك ذلك من حصره في هذه الخانة فحسب، ناهيك بـ «الفيوجن» وتأثيره على غنائه؛ الدمج بين صخب الروك وانسيابية الجاز، أو إلقاء القصص بشكلٍ سردي، فهو ينزع صوب «سايكديليك»، مؤدياً بالعربية أغنية واحدة هي «استمر» (Keep going) مكوّنة من جملة واحدة «هيدا حرام كلو هيدا هيدا»، مكرّساً فيها الواقع اللبناني بكل ما يمثلّه من فجاجة وسخط، كمرآة سمعية للـ «سايكدليك» الحقيقي المسيطر على العالم الخارجي، ليطغى صوت إنذار الخطر على الأغنية في النهاية وتلعلع الفوضى «المُستمرة».
صدر ألبوم روجيه فخر في الأول من نيسان (أبريل) وهو أبعد ما يكون عن الكذبة. إنما هو تحدّ مثابرٍ وعنيد لها، وإثبات العكس لتلك الكذبة الكبيرة التي اسمها بيروت، المدينة التي تكره نفسها وتحتقر تاريخها. بالرغم من صورة فخر «الفينتاج» بالأبيض والأسود التي تتصدّر الغلاف: جالساً والتركيز على وجهه، مع نظارات شمسية كبيرة وشاربين عريضين حاملاً الغيتار في الاستوديو، لكنك من الأغنية الأولى تشعر أن الألبوم صناعة اليوم، سُجل في الأمس القريب. Fine Anyway هو ترميم للذاكرة، أو ذاكرة مرمّمة، هو إيصال لأصوات ووجوهٍ وتجارب، لم يستطع تاريخ الماضي خنقها ولا قطع أوصالها، ولم ينجح في تركه للحرب أن تنجز ما استحالت أياديه النتنة عليه. هو إثبات وجود لهذه التجارب والوجوه والأصوات، على أساس أنها باقية وراسخة، وحاضرة، ولو أتت بعد حين بمظهر- عنونه غسان سلهب في فيلمه- كـ «أشباح بيروت»، إلا أنها ستُطارد الذائقة والأذن، ولو بعد...مستقبل.

يمكن سماع الألبوم وشراؤه: habibifunkrecords.bandcamp.com



اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا