الرابع عشر من نيسان (أبريل) هو في التقويم الفارسي يوم الشاعر المتصوّف العارف فريد الدين العطار النيشابوري، الطبيب الذي عاش تحوّلاً فكرياً عرفانياً جعل مقامات السلوك المعنوي شغله الشاغل، فسافرَ مع عنقائه في سماء الشعر والعرفان، بغية الوصول إلى الحقّ، وصاغَ أجملَ الأبياتِ في التعبير عن فكره العرفاني في صورٍ شعريةٍ تفرّدَ بها من كلّ الأبعاد الجمالية والفلسفية والأدبية.

تمثال العطّار بالقرب من ضريحه في إيران

لقد كان العطار ــ قبل نظم ملحمته الأعظم «منطق الطير» ـــ سالكاً في طريق الحقيقة يسافر عبر البلادِ لقاء أهل العلم والمعرفة والعرفان، والتقى بالمشايخ، وكان من مريدي الشيخ مجدالدين البغدادي، وكان يلتزم العزلة بين الحين والآخر ليتفرغ لتأملاته والبحث عن الحقائق الإلهية. وقد كانت ثمرة تلك التأملات، الكثير من المثنويات والغزليات والرباعيات والقصائد وكتاب «تذكرة الأولياء» العظيم، «رسالة الأسرار»، «الرسالة الإلهية»، «رسالة المصيبة»، «جواهر الذات» وغيرها الكثير. لكن أبرز ما عُرف به كان كتاب «منطق الطير»، الذي نال إعجاب المريدين وعشاق الأدب من كلّ بلدان العالم، وفيه شرحٌ وتفصيلٌ في منازل السلوك ومراتب العرفان والرموز الدلالية لتعليم المريدين والسالكين.
هذا الشهيد الذي قتله المغول هو اسمٌ خالدٌ في ذاكرة الإيرانيين، ورمزٌ في الأدب والتصوف والشعر والغزل والبحث عن الحقيقة. نذكرُ بعض كلماته من منطق الطير:
«يا ربّ، أهذه سمات هذه الليلة؟ أو أن الليلة يوم القيامة؟ أو أن شمع الفلك قد انطفأ بزفرتي؟ أو أن حبيبي توارى من الخجل خلف الحجب؟
الليل طويل حالك الظلمة كشعرها، ولولا ذلك لسلكت الطريق مائة مرة إلى محلتها، إنني أحترق الليلة من جوى العشق، ولم تعد لي طاقة لتحمل إيلام العشق، أين العمر لأصف ذلتي، أو لأتأوّه بكامل إرادتي؟ أين الصبر حتى أكف عن المسير، أو أن أعاقر الكؤوس كالرجال؟ وأين الحظ، حتى تصحو عزيمتي، أو أن تعينني في عشقها؟ وأين العقل، حتى يكون العلم قدوتي، أو بحيلة العقل أمثل أمامها؟ وأين اليد حتى أضع تراب الطريق على مفرقي، أو أن أرفع رأسي من تحت التراب والدم؟ وأين القدم حتى أعاود البحث عن حارة الحبيب؟ وأين العين حتى أعاود رؤية وجه الحبيب؟».
ولقد تجلّت فلسفة الطير في أشعار العطّار وكانت حاضرةً في فكر عددٍ من الفلاسفة من أمثال الغزالي، وابن سينا وهو من الدلالات الرمزية التي تحملُ إشاراتٍ عرفانية أهمها منازل السلوك، ومراتب التكامل الإنساني وصولاً إلى المطلق. وهنا تتجلى عظمة الإنتاج الأدبي لدى العطّار حيث تتعدد التأويلات وتكثر الإِشارات الرمزية التي تدعو الباحث إلى التأمل في باطنه، مثل رمزية خطاب الهدهد وجلسة الطير.
هكذا تجلّت روح العطّار ومنطقه وسلوكه في أعذب الأبيات الشعرية والنثرية وأكثرها غزلاً وسحراً.

* المستشار الثقافي في السفارة الإيرانية في بيروت



اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا