في فيلمه «ستموت في العشرين» (روائي ــ 2019 ــ 109 دقائق)، لعب المخرج السوداني أمجد أبو العلاء بمهارة بخيوط الدين الدقيقة وعقدها بخفة مع الحياة والإيمان والأساطير. ربت بحنان على أكتاف المجتمع، ولم ينتقد معتقداته الدينية، بل وصف وظيفتها. جمع الموت والحياة والإسلام والقرآن والصوفية والفن، وقدم عملاً دينياً عادلاً للحياة. اتبع أبو العلاء القصة القصيرة «النوم عند قدمَي الجبل» للكاتب السوداني حمور زيادة، التي تروي حياة صبي في الستينيات في قرية نائية تقع بين نهرَي النيل الأزرق والأبيض، يسترشد سكانها بالمعتقدات والتقاليد الصوفية القديمة.


يبدأ فيلم «ستموت في العشرين» (جاء وسط تظاهرات حاشدة ضد البشير بعد حكمه للبلاد قرابة ثلاثين عاماً) عندما تأخذ سكينة (إسلام مبارك) ابنها الحديث الولادة إلى احتفال صوفي في ضريح قريب للتبرّك. يهزّ رجل بملابس تقليدية جسده برقصة تأملية، ويتوقف فجأة بعد عشرين لفّة حول نفسه ويسقط أرضاً. يفاجأ الجميع بنذير الشؤم، تسأل الأم الخائفة الشيخ، وتطلب تفسيراً، ولكنّ جواب الشيخ الوحيد: «أمر الله نافذ». يفهم الجميع أن موت الطفل سيكون عندما يبلغ العشرين من عمره. يترك الأب النور (طلال عفيفي) الطفل وزوجته لمواجهة مصيرهما منفردين. يكبر مزمّل (مصطفى شحادة) تحت العين الساهرة لوالدته الشديدة الحماية، والنبوة تطارده. يتعلم القرآن والدين خوفاً من الموت المبكر والعذاب، ولكن نقطة تحول تتقدم من بعيد، وتخترق خيوط ضوء دقيقة غرفة مزمّل القاتمة، وتجعل الفيلم أقرب إلى الأحلام والرؤى من الموت.
جمع الموت والحياة والإسلام والقرآن والصوفية والفنّ


جلالة الفيلم في تناقضاته... في هدوئه الأفريقي الملتزم أمام قسوة المصير... في اللباس الأبيض للقربان الأسمر... في أصوات جهاز العرض وضجيج القرية وصمت العزلة الوجودية التي استسلم لها المزمّل... في الموت الحاضر الغائب... في العالم الذي يكبر والناس الذين يتقلّصون في القرية. يأخذنا أمجد أبو العلاء إلى عالم حيث الاستقامة والطاعة هما كل شيء، ويغذينا بإحساس كامن بالتحرر. الأخير يجسّده صديق والد مزمّل المنزوي في ركن قصي من القرية مع كتبه وصوره وبروجكتوره الذي يعرض عليه صور نجمات مصر وهوليوود من زمن الحرية والتحرّر. كأنّنا بهذا الصديق المنبوذ والمهمّش، بما يمثله من رمزية الحرّية، مرآة تعكس الماضي الآفل ومآله اليوم في مواجهة زمن الردّة والإيمان بالغيبيات.
يقدم فيلمه، بأناقة، أسئلة الغيب والله والدين والأساطير والثقافات. يغمرنا بلحظات من الخيال السينمائي يقدم فيه أسطورة كما لو كانت حقيقية جداً.

يمكن مشاهدة «ستموت في العشرين» بدءاً من 26 نيسان (أبريل) على منصّة https://aflamuna.online

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا